د. يوسف.. في أمان الله

| أسامة مهران

 قد يكون اختلاف الأجيال وتفاوت السنين لم تقربني منه، لكنني عرفته وفهمته عن ظهر قلب في المرات القليلة التي التقينا فيها حضورا أو هاتفيا، وأزعم أنني في كل حديث بيننا كان المغفور له بإذن الله تعالى الدكتور يوسف محمد إسماعيل مثالًا للأخلاق الحميدة، للرؤية البعيدة، لم يرفض لي طلبا، ولم يتحدث معي إلا بكل الحب الذي أكنّه له، ولإخوته، ومن قبلهم الوالد الزميل محمد إسماعيل. لا أدري لحسن الطالع أم لكآبة المنظر، أنه منذ اليوم الأول للمرض المفاجئ للدكتور يوسف، حيث كان مرتبطا معنا في الجامعة الأهلية بلقاء مع الطلبة، اتصل بي شقيقه إسماعيل معتذرا نيابة عن الراحل العزيز د. يوسف عن عدم التمكن من الحضور نظرًا لحالة صحية طارئة ألَمّت به. وكعادتنا كأصدقاء وأحبة، لم نكن نملك سوى الدعوات بالشفاء العاجل للفقيد الغالي، ولكن قدر الله وما شاء فعل. رحل يوسف محمد إسماعيل طيب الله ثراه، وسط أجواء أقل ما يُقال إنها حزينة، دامعة، صامتة لا تسمع، وكأنها تلك الطيور التي تغني وعزّ عليها الفناء، والقلوب التي تبكي وامتنعت عن البكاء، وكأننا جميعًا لا نصدق ذلك الرحيل المفاجئ لابن وزميل لنا في محراب مهنة الإعلام الصعب، ومن سراديبه الغامضة الغاضبة، هكذا كان حديث د. يوسف دمثًا، وملمًّا بنزاهة التعبير، ودقة الاختيار، وكان رحمه الله يدرك أن الكلمة الشفافة الصادقة هي القلب المفتوح للجميع، لذلك كان ابن الجامعة الأهلية التي انتمى إليها مخلصًا لعمله، مجتهدًا في دراسته، دؤوبًا في مهماته الصعبة.  قبل شهور ربما، كتبت مقالًا تحت عنوان: لماذا يموت الناس في بلادنا مبكرًا؟ والحقيقة أنني في ذلك المقال عجزت عن الإجابة على السؤال الصعب، لم أجد تفسيرًا للذين نحبهم ثم يفارقوننا فجأة، هل مهنة المتاعب التي اختارها الحبيب الراحل بعد أبيه؟ وهل هي الأعمار التي بيد الله عزّ وجلّ وحده؟ قد تكون كذلك، وقد نكون خائبين لو أفرطنا في الأسئلة، لكنني اكتشفت من بين ما خطر على ذهني من مشاهد في الحياة، أن الذين يبحثون عن الحقيقة يموتون بسرعة من دون أن يعثروا على حقيقة، والذين يفكرون باستغناء يريحهم الله جل وعلا من هموم الدنيا، والحياة المتحولة، والأماني الراحلة، “ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ - وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ”، هذا حق ولكل حق صاحب، ولكل حقيقة معنى ومغزى وملامح وتفاصيل صغيرة. المشكلة أننا عندما نصطدم بتلك التفاصيل الصغيرة، وعندما يهيئ الله لنا من أمره رشدًا، ونرى ما لا يمكن أن تراه عين، ونسمع ما لا أذن سمعت، نكون قد وضعنا أيدينا على مربط الفرس، على حقيقة كونية يتيمة وليست الحقيقة، لذلك وعندما كتبت عن الرحيل، وتوجست من موتة الشباب المفاجئة، لم أكن أعلم أنني سوف أفجع في أحد أحبائنا المؤثرين، لم أتوقع أن الأحزان قريبة إلى هذا الحد، والآلام ستكون أعمق من كل تصور وكل حد، لم أتصور أن الراحلين أقرب إلينا من حبل الوريد والذاهبين إلى المطلق قد لا يعودون بالسهولة التي تراودنا في أحلامنا بعد الرحيل الكبير، وبتلك السلاسة التي تفصل الروح عن أسر الجسد فيذهب كل منا في طريق. الفقيد يوسف محمد إسماعيل توفاه الله في زمن يرحل فيه الكبار، بعد أن يرفضوا التشبث بالحياة، وفي أكثر من حديث تلفزيوني فضائي كنت أستمع للدكتور يوسف وأنا أستشعر أن هذا الصادق دائمًا وأبدًا قد يفارقنا في أي وقت، ربما لن يمهلنا فرصة للحزن قبل الدهشة عند الوداع، أو أمل في الحياة بعد الرغبة في الذهاب إلى المجهول. أحاديث يوسف محمد إسماعيل كانت تحزنني، ليست لأنها صادقة، وليست كونها من القلب إلى القلب، إنما لأنها كانت تنبئ برحيل مبكر لكل زاهد في الحياة، ولك باحث عن متاعبها. رحمة الله عليك يا يوسف، فأنت خير من كان يدعو بيننا إلى الخير ولا ينتظر جوابًا ولا شكورًا.

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية