“جَمْعَة” الجُمعةِ

| د. جاسم المحاري

‭ ‬في‭ ‬مزرعة‭ ‬والدهما‭ ‬الذي‭ ‬تُوفي‭ ‬حديثًا،‭ ‬عاش‭ ‬الأخوان‭ ‬مُتحابين‭ ‬منذ‭ ‬الصغر،‭ ‬يرعى‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬الآخر،‭ ‬ويتقاسمان‭ ‬المحصول‭ ‬معًا،‭ ‬إلى‭ ‬أنْ‭ ‬نشب‭ ‬الخلاف‭ ‬واحتدم‭ ‬النقاش‭ ‬وعلَتْ‭ ‬الأصوات‭ ‬بينهما‭ ‬واتسعت‭ ‬الفجوة،‭ ‬وبعد‭ ‬قطيعة‭ ‬وخصام‭ ‬استمرّ‭ ‬طويلًا‭ ‬جاء‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬طرق‭ ‬فيه‭ ‬باب‭ ‬بيت‭ ‬الأخ‭ ‬الأكبر‭ ‬“عامل‭ ‬بناء”‭ ‬ماهر‭ ‬يعرض‭ ‬خدماته،‭ ‬فطلب‭ ‬منه‭ ‬أنْ‭ ‬ينتهي‭ - ‬قبل‭ ‬رجوعه‭ ‬من‭ ‬سفره‭ ‬الذي‭ ‬سيستغرق‭ ‬أسبوعًا‭ - ‬من‭ ‬بناء‭ ‬سور‭ ‬عال‭ ‬يحجب‭ ‬عنه‭ ‬رؤية‭ ‬بيت‭ ‬أخيه‭ ‬الأصغر‭ ‬الذي‭ ‬يفصله‭ ‬عنه‭ ‬نهر‭ ‬صغير،‭ ‬وفي‭ ‬يوم‭ ‬عودة‭ ‬الأخ‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬سفره،‭ ‬كانت‭ ‬المفاجأة‭ ‬حينما‭ ‬انتهى‭ ‬العامل‭ ‬من‭ ‬تشييد‭ ‬جسر‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬طرفي‭ ‬النهر‭! ‬وهي‭ ‬اللحظة‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬خرج‭ ‬فيها‭ ‬الأخ‭ ‬الأصغر‭ ‬مهرولًا‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬أخيه‭ ‬الأكبر‭ ‬قائلًا‭: ‬تبني‭ ‬جسرًا‭ ‬بيننا‭ ‬رغم‭ ‬إساءتي‭ ‬لك،‭ ‬يا‭ ‬لك‭ ‬من‭ ‬أخ‭ ‬رائع‭!‬

نعم‭.. ‬هي‭ ‬الأخوة‭ ‬التي‭ ‬تجلّت‭ ‬برباطها‭ ‬الإيماني‭ ‬الوثيق‭ ‬وحرص‭ ‬نبيّ‭ ‬الأمة‭ (‬ص‭) ‬على‭ ‬ترسيخ‭ ‬مبادئها‭ ‬بُعيد‭ ‬هجرته‭ ‬إلى‭ ‬عاصمة‭ ‬حكمه‭ ‬المدينة‭ ‬المنورة،‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬تبقى‭ ‬علائقها‭ ‬قوية‭ ‬متبادلة‭ ‬مرتكزة‭ ‬على‭ ‬التضامُن‭ ‬والتعاون‭ ‬والمؤازرة‭ ‬تارة،‭ ‬وعلى‭ ‬الصلات‭ ‬المتينة‭ ‬التي‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬المَودَّة‭ ‬والوفاء‭ ‬والإخلاص‭ ‬تارة‭ ‬أخرى،‭ ‬في‭ ‬مظاهر‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬والثقة‭ ‬والعزّة‭ ‬والمَنَعة‭ ‬التي‭ ‬انصهرتْ‭ ‬في‭ ‬بوتقة‭ ‬التيسير‭ ‬على‭ ‬المُعسِر‭ ‬والتجاوُز‭ ‬عن‭ ‬المخطئ،‭ ‬في‭ ‬أيقونات‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬النّعم‭ ‬وأوفر‭ ‬ثمار‭ ‬الإيمان‭ ‬على‭ ‬بساط‭ ‬ممتد‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬أثمن‭ ‬كنوز‭ ‬الطبيعة‭ ‬الإنسانية‭ ‬الراقية‭ ‬التي‭ ‬تجاوزت‭ ‬فيها‭ ‬حدود‭ ‬“الأخوة‭ ‬الدّمية”‭ ‬إلى‭ ‬ظلال‭ ‬“الأخوّة‭ ‬المُوازية”‭ ‬التي‭ ‬تنشأ‭ ‬بين‭ ‬الأفراد‭ ‬والجماعات‭ ‬في‭ ‬مراحلها‭ ‬السامية‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬لروابط‭ ‬الدم‭ ‬والنسب‭ ‬في‭ ‬غالبها‭.

‭ ‬نافلة‭: ‬

أثبتت‭ ‬الوقائع‭ ‬المُعاشة‭ ‬من‭ ‬حولنا‭ ‬–‭ ‬مثالًا‭ ‬لا‭ ‬حصرًا‭ - ‬في‭ ‬القُرى،‭ ‬أنّ‭ ‬قضاء‭ ‬الأوقات‭ ‬العائلية؛‭ ‬يترك‭ ‬أثره‭ ‬البالغ‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬روابط‭ ‬الأخوة‭ ‬الحقّة‭ ‬وفرص‭ ‬التفاعل‭ ‬المؤثر‭ ‬ومظاهر‭ ‬التواصل‭ ‬الصادق‭ ‬حين‭ ‬تُخصّص‭ ‬–‭ ‬جُلّ‭ ‬هذه‭ ‬الأوقات‭ - ‬للتّجمعات‭ ‬المُتشاركة‭ ‬على‭ ‬تناول‭ ‬فنجان‭ ‬قهوة‭ ‬أو‭ ‬سفرة‭ ‬غداء‭ ‬أو‭ ‬وجبة‭ ‬عشاء‭ ‬أو‭ ‬احتفال‭ ‬بإنجاز‭ ‬أو‭ ‬نجاح‭ ‬بعطاء‭ ‬وسط‭ ‬أجواء‭ ‬نفسية‭ ‬متوازنة‭ ‬واجتماعية‭ ‬إيجابية‭ ‬يسودها‭ ‬الاحترام‭ ‬المتبادل‭ ‬والتعاون‭ ‬الجماعي‭ ‬الذي‭ ‬يسهم‭ ‬حينئذٍ‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬الجهود‭ ‬وغرس‭ ‬قيّم‭ ‬الحبّ‭ ‬وتنمية‭ ‬مهارات‭ ‬الحياة‭. ‬تلك‭ ‬هي‭ ‬مثالاً‭ (‬جمْعَة‭) ‬إجازة‭ ‬نهاية‭ ‬الأسبوع‭ ‬التي‭ ‬برز‭ ‬فيها‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬مُتصدرًا‭ ‬ببرنامجه‭ ‬العفوي‭ ‬بتجمّعات‭ ‬أبناء‭ ‬وبنات‭ ‬الأسر‭ ‬البحرينية‭ ‬بعد‭ ‬أداء‭ ‬صلاة‭ ‬الجمعة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬أسبوع،‭ ‬في‭ ‬افتراش‭ ‬سفرة‭ ‬الغداء‭ ‬التي‭ ‬يتسمرّون‭ ‬بعدها‭ ‬لإهداء‭ ‬ما‭ ‬يتيسر‭ ‬من‭ ‬آيات‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬أجرًا‭ ‬لأرواح‭ ‬مَنْ‭ ‬مضى‭ ‬من‭ ‬جمعهم،‭ ‬فينصهروا‭ ‬فيما‭ ‬بينهم‭ ‬جسورًا‭ ‬يَسعدون‭ ‬منها‭ ‬بـ‭ ‬“نعيم”‭ ‬الأخوة‭ ‬الدافئ‭ ‬ويجحدون‭ ‬“جحيمها”‭ ‬الحارق‭.‬

 

كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني