الإغراق المعلوماتي

| سليم مصطفى بودبوس

‭ ‬ارتفع‭ ‬عدد‭ ‬مستخدمي‭ ‬فيسبوك‭ ‬النشطين‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬كلها‭ ‬من‭ ‬350‭ ‬مليونًا‭ ‬سنة‭ ‬2009‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يناهز‭ ‬3‭.‬05‭ ‬مليارات‭ ‬مستخدم‭ ‬شهريًّا‭ ‬سنة‭ ‬2024‭. ‬أمّا‭ ‬عن‭ ‬باقي‭ ‬تطبيقات‭ ‬شركة‭ ‬فيسبوك‭ ‬مثل‭ ‬إنستغرام‭ ‬وواتساب‭ ‬وميسنجر،‭ ‬فيوجد‭ ‬حاليًّا‭ ‬3‭.‬45‭ ‬مليارات‭ ‬مستخدم‭ ‬نشط‭ ‬شهريًّا‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬التطبيقات‭. ‬وقد‭ ‬سبق‭ ‬تشخيص‭ ‬هذا‭ ‬الإقبال‭ ‬الرهيب‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬ضرب‭ ‬من‭ ‬الإدمان،‭ ‬حيث‭ ‬يعكف‭ ‬المتصفحون‭ ‬على‭ ‬الفيسبوك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬10‭ ‬مليارات‭ ‬دقيقة‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬وهم‭ ‬يتفرّسون‭ ‬صور‭ ‬الأصدقاء‭ ‬أو‭ ‬يكتبون‭ ‬الرسائل‭ ‬على‭ ‬جدرانهم‭ ‬الافتراضية،‭ ‬وانصرفوا‭ ‬مقابل‭ ‬ذلك‭ ‬عن‭ ‬أداء‭ ‬الواجبات‭ ‬الدراسية‭ ‬والوظيفية‭/‬‏‭ ‬المهنية‭ ‬والعائلية‭.‬

ومع‭ ‬تطوّر‭ ‬استخدام‭ ‬الفيسبوك‭ ‬وأخواته‭ (‬ميسنجر‭ - ‬إنستغرام‭ - ‬واتساب‭) ‬في‭ ‬العقد‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬عمره،‭ ‬أصبح‭ ‬المستخدم‭ ‬يتعرّض‭ ‬إلى‭ ‬كمية‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬البيانات‭ ‬والمعلومات‭ ‬تفوق‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬الاستيعاب‭ ‬والتحليل،‭ ‬بسبب‭ ‬البقاء‭ ‬طويلًا‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المواقع‭ ‬والتطبيقات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تخمة‭ ‬معلوماتية‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬نسبة‭ ‬الصحيح‭ ‬منها‭ ‬الـ‭ ‬10‭ %‬،‭ ‬وصار‭ ‬يصطلح‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬بـ‭ ‬“الإغراق‭ ‬المعلوماتي”،‭ ‬وهي‭ ‬حالة‭ ‬سلبية‭ ‬تؤدي‭ ‬بالمستخدم‭ ‬إلى‭ ‬التسليم‭ ‬بهذه‭ ‬المعلومات‭ ‬وعدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تمحيصها‭ ‬وغربلتها‭ ‬لكثرتها‭ ‬ولرغبته‭ ‬في‭ ‬تصفح‭ ‬المزيد‭ ‬والمزيد؛‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬عرضة‭ ‬للاستغباء‭ ‬وفريسة‭ ‬للإشاعة‭ ‬والزيف‭ ‬والتضليل،‭ ‬بل‭ ‬وأحيانا‭ ‬مشاركًا‭ ‬بترويج‭ ‬تلك‭ ‬المعلومات‭ ‬الخاطئة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التعليق‭ ‬عليها‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬نشرها‭. ‬

ولقد‭ ‬انتبه‭ ‬العديد‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬ترشيد‭ ‬استهلاك‭ ‬الفيسبوك‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يَستهلكنا‭ ‬ويُهلكنا،‭ ‬فأقلع‭ ‬البعض‭ ‬تماما،‭ ‬ونظّم‭ ‬البعض‭ ‬الآخر‭ ‬حضوره‭ ‬في‭ ‬الفيسبوك‭ ‬بشكل‭ ‬دوري‭ ‬مرّة‭ ‬في‭ ‬الأسبوع‭ ‬أو‭ ‬مرّة‭ ‬في‭ ‬الشهر‭ ‬مثلا‭. ‬لأنّ‭ ‬هذا‭ ‬الإغراق‭ ‬المعلوماتي‭ ‬يؤثّر‭ ‬سلبًا‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬المستخدم‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬السليمة‭ ‬أثناء‭ ‬التصفّح‭ ‬وبعده،‭ ‬كما‭ ‬قد‭ ‬يجرنا‭ ‬إلى‭ ‬فقدان‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬مصادر‭ ‬المعلومة‭ ‬الموثوقة‭.‬

ولحماية‭ ‬أنفسنا‭ ‬من‭ ‬الإغراق‭ ‬المعلوماتي‭ ‬علينا‭:‬

أولًا‭ - ‬مجاهدة‭ ‬أنفسنا‭ ‬بتنظيم‭ ‬أوقات‭ ‬الدخول‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المواقع‭ ‬والحدّ‭ ‬منها‭ ‬زمنيًّا‭ ‬بشكل‭ ‬تدريجي‭.‬

ثانيًا‭ - ‬ضبط‭ ‬الأولويات‭ ‬أثناء‭ ‬التصفح‭ ‬بالتركيز‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬نحتاجه‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬أهدافنا،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يضيع‭ ‬وقتنا‭ ‬في‭ ‬تتبع‭ ‬حياة‭ ‬الآخرين‭ ‬ولاسيما‭ ‬التافهين،‭ ‬وما‭ ‬أكثرهم‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭.‬

ثالثًا‭ - ‬الحدّ‭ ‬من‭ ‬الفضول‭ ‬في‭ ‬معرفة‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬ينشر‭ ‬على‭ ‬الفيسبوك،‭ ‬وكذلك‭ ‬مقاومة‭ ‬رغبتنا‭ ‬في‭ ‬التعليق‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬ينشر؛‭ ‬لأنّ‭ ‬الكلمة‭ ‬أمانة،‭ ‬وسوف‭ ‬نسأل‭ ‬عنها‭ ‬عاجلًا‭ ‬أو‭ ‬آجلًا‭.‬

رابعًا‭ - ‬لعلّ‭ ‬الكثير‭ ‬منا‭ ‬سمع‭ ‬عن‭ ‬مهارات‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين،‭ ‬خصوصًا‭ ‬مهارة‭ ‬التفكير‭ ‬الناقد‭ ‬وهي‭ ‬سلاح‭ ‬ضروري‭ ‬لمقاومة‭ ‬التضليل‭ ‬الفيسبوكي؛‭ ‬فإيّاك‭ ‬وتصديق‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تقرأه‭.‬

خامسًا‭ - ‬لاستقاء‭ ‬الأخبار‭ ‬الصحيحة‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬معرفة‭ ‬المصادر‭ ‬الإعلامية‭ ‬الموثوقة‭ ‬والمحترفة‭ ‬والأقل‭ ‬انحيازًا‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬لنتصفّح‭ ‬الأخبار‭ ‬فيها‭. ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬موثوقيّتها‭ ‬التي‭ ‬تظلّ‭ ‬نسبية،‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نتخلى‭ ‬عن‭ ‬سلاح‭ ‬التفكير‭ ‬الناقد‭ ‬ونحن‭ ‬نتصفّحها‭.‬