الشعر والمقاومة وتراجعهما النسبي

| أسامة مهران

‭ ‬لم‭ ‬يتصور‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بشعرائها‭ ‬ستتراجع‭ ‬خطوة‭ ‬إلى‭ ‬الخلف،‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تتقدم‭ ‬خطوات‭ ‬إلى‭ ‬الأمام،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬مقدور‭ ‬تيار‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬المقاوم‭ ‬أن‭ ‬ينجب‭ ‬شعراء‭ ‬مثل‭ ‬الذين‭ ‬خرجوا‭ ‬من‭ ‬آباط‭ ‬القوميين‭ ‬العرب،‭ ‬والماركسيين‭ ‬والآيديولوجيين‭ ‬غير‭ ‬المطعمين‭ ‬بالعقيدة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬عقائد‭ ‬أو‭ ‬سرديات‭ ‬الديانة‭ ‬اليهودية‭ ‬التلمودية‭ ‬الأصل‭. ‬قالوا‭: ‬“إن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يكن،‭ ‬ورأي‭ ‬الرب‭ ‬ذلك‭ ‬غير‭ ‬حسن”،‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬عرف‭ ‬سفر‭ ‬التكوين‭ ‬وأسفار‭ ‬وإصحاحات‭ ‬التوراة،‭ ‬وغيبيات‭ ‬وغرائبيات‭ ‬التلمود،‭ ‬والسلطة‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭.‬

كان‭ ‬شعراء‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬منذ‭ ‬فدوى‭ ‬طوقان‭ ‬ومعين‭ ‬بسيسو‭ ‬حتى‭ ‬توفيق‭ ‬زياد‭ ‬ومحمود‭ ‬درويش‭ ‬وسميح‭ ‬القاسم‭ ‬وما‭ ‬بعدهم،‭ ‬يحددون‭ ‬ملامح‭ ‬النضال‭ ‬عبر‭ ‬الحدود،‭ ‬وكانوا‭ ‬باستخدام‭ ‬شعر‭ ‬التفعيلة‭ ‬بدءًا‭ ‬بالشعر‭ ‬العمودي‭ ‬مثلما‭ ‬يرى‭ ‬مستشار‭ ‬مركز‭ ‬الدراسات‭ ‬السياسية‭ ‬والاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬الأهرام‭ ‬القاهرية‭ ‬الدكتور‭ ‬نبيل‭ ‬عبدالفتاح،‭ ‬يؤكدون‭ ‬أنهم‭ ‬جاءوا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬قضية،‭ ‬حتى‭ ‬قصيدة‭ ‬يوم‭ ‬الأحد‭ ‬الكنائسية‭ ‬التي‭ ‬كتبها‭ ‬محمود‭ ‬درويش‭ ‬في‭ ‬فرنسا،‭ ‬لم‭ ‬تنفصل‭ ‬عن‭ ‬البيت‭ ‬الفلسطيني‭ ‬العتيق،‭ ‬وذلك‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬رد‭ ‬عليه‭ ‬أحد‭ ‬الشعراء‭ ‬بقصيدة‭ ‬“عربية”‭ ‬أسماها‭ ‬“يوم‭ ‬الجمعة”‭ ‬ونشرها‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬الأهرام‭ ‬القاهرية‭ ‬أيضًا‭:‬

“في‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭.. ‬أستيقظ‭ ‬قبل‭ ‬الفجر‭.. ‬وألبي‭ ‬نداء‭ ‬الله‭.. ‬أحمل‭ ‬أغطيتي‭.. ‬وبقايا‭ ‬سيجار‭.. ‬وكتابٌ‭ ‬لم‭ ‬أقرأه‭.. ‬وعصاي‭.. ‬في‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭.. ‬يتشاجر‭ ‬أبنائي‭.. ‬حول‭ ‬الضائع‭ ‬من‭ ‬فرصٍ‭.. ‬ويلومون‭ ‬الماضي‭.. ‬والهارب‭ ‬من‭ ‬تكويني‭.. ‬والمستعمر‭ ‬أعضائي‭.. ‬في‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭.. ‬نتجمع‭ ‬بعد‭ ‬العصر‭.. ‬في‭ ‬زي‭ ‬يرتاح‭ ‬إلينا‭.. ‬نرتاح‭ ‬إليه‭.. ‬وفي‭ ‬معصم‭ ‬كل‭ ‬منا‭.. ‬وعدٌ‭ ‬بين‭ ‬يديه”‭. ‬“

كان‭ ‬ردًّا‭ ‬عن‭ ‬كنائسية‭ ‬درويش،‭ ‬عن‭ ‬خروجه‭ ‬من‭ ‬سياقاته‭ ‬التقليدية‭ ‬رغم‭:‬

“آه‭ ‬جانا

لم‭ ‬تكوني‭ ‬مُدُني

أو‭ ‬وطني

أو‭ ‬زمني

كيف‭ ‬أوقف‭ ‬النهر‭ ‬الذي‭ ‬يجرفني

فلماذا‭ ‬تدخلين‭ ‬الآن‭ ‬جسمي

لتصيري‭ ‬النهر‭ ‬أو‭ ‬سيدة‭ ‬النهر

لماذا‭ ‬تخرجين‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬جسمي

ومن‭ ‬أجلكِ‭ ‬جددت‭ ‬الإقامة

فوق‭ ‬هذي‭ ‬الأرض

جددت‭ ‬الإقامة”

لوعة‭ ‬الغريب‭ ‬العاشق،‭ ‬الشاعر‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬حقائبه‭ ‬من‭ ‬مطار‭ ‬لمطار،‭ ‬ومن‭ ‬حبيبة‭ ‬لحبيبة،‭ ‬ومن‭ ‬سيدة‭ ‬أجنبية‭ ‬إلى‭ ‬سيدة‭ ‬أخرى‭ ‬أجنبية،‭ ‬الوطن‭ ‬عند‭ ‬درويش‭ ‬كان‭ ‬محطة‭ ‬انتظار‭ ‬أبدية،‭ ‬يتقنها‭ ‬وهو‭ ‬يكتب،‭ ‬ويمارسها‭ ‬وهو‭ ‬يعيش‭.‬

نبيل‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬يطرح‭ ‬السؤال‭ ‬ويحاول‭ ‬الإجابة‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬مطولة‭ ‬عن‭ ‬الحالة‭ ‬المزمنة‭ ‬“بين‭ ‬الشعر‭ ‬والمقاومة”،‭ ‬يقول‭: ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬التراجع‭ ‬النسبي‭ ‬لشعر‭ ‬المقاومة‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬طوفان‭ ‬الأقصى‭ ‬يا‭ ‬ترى؟‭ ‬ويجيب‭:‬

أولًا‭: ‬نضج‭ ‬الشعر‭ ‬الفلسطيني‭ ‬فيما‭ ‬وراء‭ ‬الشعرية‭ ‬النضالية‭ ‬المباشرة‭.‬

ثانيًا‭: ‬تراجع‭ ‬اهتمامات‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬ومجتمعاتها‭ ‬وجماعاتها‭ ‬الثقافية‭ ‬ونخبها‭ ‬السياسية‭ ‬بالمسألة‭ ‬الفلسطينية‭.‬

ثالثًا‭: ‬أدى‭ ‬“طوفان‭ ‬الأقصى”‭ ‬وحرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬التوراتية‭ ‬الرمزية‭ ‬والوحشية،‭ ‬وسياسة‭ ‬تحطيم‭ ‬البشر‭ ‬والحجر،‭ ‬إلى‭ ‬استثارة‭ ‬وتحفيز‭ ‬بعض‭ ‬الشعرية‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬والعرب،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬شعرية‭ ‬حديثة‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬مرتبط‭ ‬بحالة‭ ‬المشهدية‭ ‬المرثية‭ ‬التلفازية‭ ‬التقليدية‭.‬

هذا‭ ‬أدى،‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظري‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬المفكر‭ ‬الكبير‭ ‬نبيل‭ ‬عبدالفتاح،‭ ‬إلى‭ ‬نشوء‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الاسترخاء‭ ‬العاطفي،‭ ‬والبلادة‭ ‬الفطرية‭ ‬في‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬الكارثة‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬مناسبة‭ ‬وطنية،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يرفضه‭ ‬الشعراء‭ ‬المحدثون‭ ‬منذ‭ ‬السبعينيات‭ ‬وحتى‭ ‬الآن،‭ ‬هم‭ ‬يمضون‭ ‬في‭ ‬غي‭ ‬أدونيس‭ ‬مترفعين‭ ‬عن‭ ‬ردة‭ ‬الفعل،‭ ‬ومساقين‭ ‬إلى‭ ‬حوزة‭ ‬الأفعال‭ ‬الرائدة‭ ‬–‭ ‬في‭ ‬نظرهم‭ ‬–‭ ‬وليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬في‭ ‬نظري‭ ‬–‭ ‬أنا‭ ‬–‭ ‬لكن‭ ‬قصيدة‭ ‬أخرى‭ ‬أراها‭ ‬منذ‭ ‬طوفان‭ ‬الأقصى‭ ‬خرجت‭ ‬بعد‭ ‬مخاض‭ ‬طويل‭ ‬استمر‭ ‬زهاء‭ ‬سنة‭ ‬وشهرين‭ ‬يحمل‭ ‬عنوان‭ ‬“مذكرة‭ ‬جوابية”‭ ‬للعبد‭ ‬لله،‭ ‬وتم‭ ‬نشر‭ ‬النص‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬مباشر‭ ‬24‭ ‬قبل‭ ‬أيام،‭ ‬إذ‭ ‬ينص‭:‬

“كأنني‭ ‬أستقبله

آخر‭ ‬الليل‭ ‬الطويل

كأنني‭ ‬في‭ ‬أوله

لا‭ ‬تنجب‭ ‬الأوثان‭ ‬غير‭ ‬خزرج

وغير‭ ‬علة

وغير‭ ‬قلة

متقاتلة

ما‭ ‬هذا‭ ‬يا‭ ‬بلادي

لا‭ ‬أراكِ‭ ‬مثل‭ ‬طلع‭ ‬النخلِ

مثل‭ ‬زهر‭ ‬التوتِ

والأشجار‭ ‬مائلة

أمتي‭ ‬تُقتل

والعدو‭ ‬يلومها

والصديق‭ ‬والقريب‭ ‬يخونها

أمتي‭ ‬تسكنها‭ ‬الرياح

والرياحُ‭ ‬مخاتلة”‭.‬