طريق مسدود

| أسامة مهران

 لابد أننا أمام طريق مسدود، أمام انسداد سياسي بعد الانسداد العسكري في لبنان وغزة، إسرائيل تطلق شماعاتها بجوار مسيراتها وصواريخها باتجاه المجتمع الدولي، وليس باتجاه غزة أو لبنان أو الشرق الأوسط فحسب، بدأوا في الحديث “المُخل” عن القيادة التي يمكن إبرام الاتفاق معها في غزة، وأنه لا توجد قيادة في نظرهم تصلح للمفاوضات، لا حماس بوضعها المهترئ الراهن، ولا السلطة الفلسطينية بحالتها المزرية التي لا تمتلك معها أية سلطة، بدأوا الالتفاف حول الواقع، والاصطياد بالماء العكر، ودق الأبواب المغلقة التي أفضت إلى عدم وجود رئيس دولة، وأن هيكل الدولة الراهن لا يصلح دستوريًّا أو قانونيًّا لإبرام اتفاق مع كائن من كان. إذًا هي الحرب، ولا شيء غير الحرب، هي التي ستفرض الموازين على الأرض، وهي التي ستعطي كل ذي حقٍ حقه، لا يهم كم مليونًا سيموتون أو يشرّدون، ولا يهم كم من ملامح الحياة ستختفي في لبنان بعد أن اختفت الحياة من قطاع غزة وبدا القطاع وكأنه بيت للأشباح والحيوانات الضالة. إذًا فهي الحرب، لا سلم قبلها أو بعدها، وهو “حل الدولتين” الذي لم نعرف بعد قمة الرياض أي مصير سيلقاه التحالف بعد أن تعرضت نخيل الأحداث للرجم والضرب تحت الحزام، والتقاط بواقي الثمار من تحت لهيب الأشجار.

نبيل عبدالفتاح الكاتب والمؤرخ والمفكر الكبير مستشار مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام المصرية لا يقبل بالعفو عما سلف، ولا بالعودة إلى أي من المربعات الأوائل في الفكر، ويرى أن المقاومة هي المقاومة، وأن ارتباطها بآيديولوجية أو فكر لا ينقيها مما يطلق عليه البعض أو يحاول إلصاقه بها “رجس من عمل الشيطان”. الآن غزة بلا مقاومة على الأرض، لكن بمقاومة في السماء، بلا درع وسيف خان يونس وسائر حصى القطاع، لكن موجودة في الثقافة العامة، والفكر النوعي، وفي التاريخ. غزة لن تموت لمجرد أن المقاومة لديها، ذات اللون الفكري أو الانطباعي، ولعبة شد الحبل التي تتقنها إسرائيل باحترافية وتلعبها بإتقان، مازالت هي التي يتدحرج بسببها أهلنا الطيبون، فلا يعرفون أي قوم يتبعون، هنية مات ومن بعده السنوار، ولم يكن لحماس وجود شرعي أو عسكري، لا في غزة ولا خارج غزة، إذًا مع أي قوم نطلق الحوار؟ ومن أية منطقة نستطيع أن نفك شفرة المقاومة لو لم تنجح المفاوضات الوهمية في إطلاق سراح الرهائن أو المحتجزين؟ غزة في مهب الريح.. نعم، ومعها لبنان.. أيضًا نعم، وكذلك الأيديولوجية التي يقاوم بها البعض “عدو الله وعدوكم”، لكن إلى أي مدى يمكن إطلاق الهجوم المضاد من غيبوبته، متى يمكن أن تكون لدينا حرب للتحرير، مثلما كان لدينا أكثر من سوء للتدبير وأسواق للتفسير؟ نبيل عبدالفتاح لا يتهم المقاومة بالفشل لأنها تأتي من فكر أيديولوجي مختلف عليه، ولا من نفر مغضوب عليهم لأن علاقتهم وثيقة بصواريخ عز الدين القسام، ولا بمناوشات ما تبقى من تنظيم الجهاد، كل شيء يمكن التعويل عليه وتعليق الشارات الحمراء في رقبته، إلا تنظيم الشعب، إلا أرواح الشهداء، وإلا فلسطين ولبنان وما بعدهما وما بينهما وما خفي أعظم.

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية