“حُصُونٌ” من عَفافِ الزّهراء (ع)

| د. جاسم المحاري

كثيرة‭ ‬هي‭ ‬المواقف‭ ‬التي‭ ‬تخطف‭ ‬الأبصار‭ ‬والبصائر‭ ‬معًا‭ ‬بما‭ ‬تفيض‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬معانٍ‭ ‬إنسانية‭ ‬سامية‭ ‬تُطارد‭ ‬مظاهر‭ ‬الزّيف‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬تكثر‭ ‬فيها‭ ‬ضروب‭ ‬“العفّة”‭ ‬التي‭ ‬شهد‭ ‬بها‭ ‬الباري‭ ‬سبحانه‭ ‬في‭ ‬محكم‭ ‬التّنزيل،‭ ‬فتلك‭ ‬هي‭ ‬سيدتنا‭ ‬“العذراء”‭ ‬مريم‭ (‬ع‭) ‬التي‭ ‬طهّرها‭ ‬في‭ ‬معجزة‭ ‬ولادتها‭ ‬بعيسى‭ ‬دون‭ ‬أب،‭ ‬وذلك‭ ‬هو‭ ‬سيدنا‭ ‬يوسف‭ (‬ع‭) ‬الذي‭ ‬اختار‭ ‬السجن‭ ‬عوضًا‭ ‬عن‭ ‬انتهاك‭ ‬عفّته،‭ ‬والأمثلة‭ ‬تَكثُر‭ ‬عن‭ ‬كفّ‭ ‬النَفس‭ ‬عن‭ ‬المحارم‭ ‬واقتراف‭ ‬الشَّهوات‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬خلق‭ ‬إيماني‭ ‬رفيع‭ ‬يبعد‭ ‬عن‭ ‬خدش‭ ‬المروءة‭ ‬وينتصر‭ ‬على‭ ‬الشهوات‭ ‬ويتمسك‭ ‬بالفِعال‭ ‬الجميلة‭ ‬ويُلازم‭ ‬الآداب‭ ‬الحميدة‭ ‬التي‭ ‬تُنجي‭ ‬من‭ ‬الضائقات‭ ‬وتغرس‭ ‬المحاسن‭ ‬التي‭ ‬تعفّ‭ ‬بيدي‭ ‬صاحبها‭ ‬ورجليه‭ ‬وعينيه‭ ‬وأذنيه‭ ‬وجميع‭ ‬جوارحه‭ ‬عن‭ ‬المحرمات‭.‬

ما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬الأثر‭ ‬عن‭ ‬سيرة‭ ‬السيدة‭ ‬العظيمة‭ ‬فاطمة‭ ‬الزهراء‭ (‬ع‭) ‬وبراعتها‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬شؤون‭ ‬البيت‭ ‬وتصريف‭ ‬أعماله‭ ‬من‭ ‬طحن‭ ‬وخبز‭ ‬وطبخ‭ ‬ورعاية‭ ‬للبنين‭ ‬والبنات‭ ‬و‭... ‬إلخ،‭ ‬أنّها‭ ‬كانت‭ ‬جالسة‭ ‬عند‭ ‬أبيها‭ ‬نبيّ‭ ‬الرحمة‭ (‬ص‭) ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬عندما‭ ‬استأذن‭ ‬الرجل‭ ‬الأعمى‭ ‬“ابن‭ ‬أمّ‭ ‬مكتوم”‭ ‬الدخول‭ ‬عليه،‭ ‬ما‭ ‬حدا‭ ‬بها‭ ‬أنْ‭ ‬غادرت‭ ‬الغرفة،‭ ‬فيما‭ ‬عاودت‭ ‬بُعيد‭ ‬انصرافه‭ (‬أي‭ ‬الرجل‭ ‬الأعمى‭) ‬الدخول‭ ‬ثانية‭ ‬عليه،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أثار‭ ‬تساؤله‭ (‬ص‭) ‬لها‭ - ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬علمه‭ ‬بذلك‭ - ‬عن‭ ‬سبب‭ ‬خروجها‭ ‬من‭ ‬الغرفة‭ ‬سيّما‭ ‬وأنّ‭ ‬الرجل‭ ‬أعمى‭ ‬لا‭ ‬يُبصر‭! ‬فقالت‭ (‬ع‭): ‬إنْ‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬يراني،‭ ‬فإنّني‭ ‬أراه،‭ ‬وهو‭ ‬يشمّ‭ ‬الريح‭ ‬–‭ ‬رائحة‭ ‬المرأة‭ ‬–‭ ‬حتى‭ ‬أُعجب‭ (‬ص‭) ‬بجوابها‭ ‬الحكيم،‭ ‬وقال‭ (‬ص‭) ‬أشهد‭ ‬أنّك‭ ‬بضعة‭ ‬منّي‭. ‬

 

نافلة‭: ‬

في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬–‭ ‬13‭ ‬جمادى‭ ‬الأولى‭ ‬عام‭ ‬11‭ ‬هجري‭ ‬–‭ ‬ودّعت‭ ‬البضعة‭ ‬الزهراء‭ ‬البتول‭ (‬ع‭) ‬فلذات‭ ‬كبدها‭ ‬الحسن‭ ‬والحُسين‭ ‬وزينب‭ ‬وأمّ‭ ‬كلثوم‭ ‬صغارًا،‭ ‬وبعلها‭ ‬وشريك‭ ‬أبيها‭ ‬في‭ ‬الجهاد‭ ‬لتلحق‭ ‬بالمختار‭ (‬ص‭) ‬التي‭ ‬كلما‭ ‬رددّ‭ ‬صوت‭ ‬الأذان‭ ‬اسمه‭ ‬الشريف،‭ ‬ازداد‭ ‬حزنها‭ ‬حتى‭ ‬عَرُجَتْ‭ ‬روحها‭ ‬الطاهرة‭ ‬مسرعة‭ ‬إلى‭ ‬علو‭ ‬السماوات‭. ‬هي‭ ‬“أمّ‭ ‬أبيها”‭ ‬التي‭ ‬غمرته‭ ‬بحبها‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬السادسة‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬رحيل‭ ‬أمّها‭ ‬السيدة‭ ‬خديجة‭ (‬ع‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تطوف‭ ‬فضاء‭ ‬البيت‭ ‬مُشاركة‭ ‬معه‭ ‬المحن،‭ ‬تُضمّد‭ ‬جِراحه‭ ‬تارة،‭ ‬وتُسلّي‭ ‬خواطره‭ ‬تارة‭ ‬أخرى،‭ ‬إلى‭ ‬أنْ‭ ‬تقدّم‭ ‬لها‭ ‬مَنْ‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬من‭ ‬الدنيا‭ ‬غَيرَ‭ ‬سيفه‭ ‬ودرعه،‭ ‬فسعت‭ ‬في‭ ‬إدخال‭ ‬الفرحة‭ ‬على‭ ‬قلبه،‭ ‬وأنجبت‭ ‬له‭ ‬كواكب‭ ‬مُزدانة‭ ‬بالوقار‭ ‬كالحَسن‭ ‬والحُسين‭ (‬ع‭) ‬ونجومًا‭ ‬متلألئة‭ ‬بالعفاف‭ ‬كزينب‭ ‬الكُبرى‭ ‬وأمّ‭ ‬كلثوم‭ ‬الصُغرى‭ (‬ع‭). ‬

السلامُ‭ ‬على‭ ‬التّقية‭ ‬النّقية‭ ‬الحَوْراء‭ ‬الإنسِيَّة،‭ ‬السلامُ‭ ‬على‭ ‬ابنة‭ ‬مُحمد‭ ‬المصطفى‭ (‬ص‭) ‬وزوجة‭ ‬علي‭ ‬المُرتضى‭ (‬ع‭) ‬ووالدة‭ ‬السبطين‭ ‬الحسن‭ ‬والحُسين‭ (‬ع‭) ‬يوم‭ ‬وُلدتْ‭ ‬مُبتهجةً‭ ‬ويوم‭ ‬عرجتْ‭ ‬محزونةً‭ ‬ويوم‭ ‬تُبعثْ‭ ‬شاهدة‭ ‬بين‭ ‬يديّ‭ ‬ربّ‭ ‬الخلائق‭ ‬أجمعين‭.‬

 

كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني