ترامب الأول وترامب الثاني

| أسامة مهران

الفضائيات، كواليس المجتمع الدولي، ومواقع التواصل الاجتماعي، الباحثون والدارسون والعلماء، جميعهم.. جميعهم يحاولون التماس الأعذار لأنفسهم، كونهم يحاولون التعرف على سياسة ترامب الثاني، على شكل علاقاته الخارجية، على رؤيته لوضع الدولة الأميركية، لاتفاقيات المناخ، وما يحدث في الشرق الأوسط وأوكرانيا. المفكر المصري مستشار مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية لصحيفة الأهرام القاهرية نبيل عبدالفتاح، حاول في أكثر من مقام أن يكشف الغطاء عن سلوك ترامب المستقبلي، هل نتفاءل بوجوده كعرب، أم لابد أن نتشاءم؟ هل سيأتي إلينا بالمن والسلوى، أم بالعصا والجزرة؟ هل.. وهل.. وأسئلة أخرى كثيرة تدور الآن أكثر من أي وقت مضى في رؤوس مفكرينا وشعوبنا.

يقولون إنه لا يختلف عن كامالا، وإنه هو نفسه ترامب الأول الذي لا يعطي دعمًا مجانيًا لأحد، ولا يمنح عطايا أميركية دون مقابل يوازي حجم العطية.

ترامب الثاني على قاعدة “خذ وهات” التي فرضها ترامب الأول، قد يساوم كائن من كان على وقفته الإيجابية، على تعايشه السلمي، على حمايته ضد كائن من كان، هو ليس بلطجيًا مثلما يتجاوز بحقه الرأي المعادي، أو الموقف “الديمقراطي”، هو بريء تمامًا من اتهامات المنافسين له، على الأقل حتى إشعار آخر، وعلى الأقل حتى يتضح الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ويصبح كل شيء على “عينك يا تاجر”.

 

نحن نريد حل الدولتين، ما هو المقابل الذي يجب أن يدفعه العرب؟. هناك بعد القمة العربية الإسلامية “تحالف” ضاغط يحمل اسم حل الدولتين، لكن ترامب استبعد هذا الحل مؤقتًا، وصفه بالصعب حتى لا نطمح فيه كثيرًا، ولا نتوقع سلامًا أكثر استدامة مع إسرائيل في عهده.

هل سيفي الرجل بوعوده التي قطعها على نفسه قبل أن تضع الانتخابات أوزارها، وقبل أن يقبل الشعب الأميركي به كرئيس لولاية ثانية قوامها أربع سنوات؟ الأسئلة مطروحة كونها على صفيح ساخن، وكون الفلسطينيين أو اللبنانيين ينتظرون الفرج، يتوقعون السلام، بل يتطلعون إلى ترامب الثاني بعين الأمل وكأنه الفارس الذي سيحل شفرة الإبادة الجماعية التي يتعرض لها أشقاؤنا في غزة ولبنان.

الكل يضع نصب عينيه ترامب الثاني، كنصف وجه مقابل ترامب الأول، كنصف وجه آخر، هكذا هو ترامب، رجل بوجهين، أو رئيس بروحين، أو زعيم عالمي لا يحمل من الوعود إلا كلماتها، ومن المواقف سوى أشكالها، ومن الدعم إلا ما يساوي وزنه ذهبًا أو ألماسًا أو مالاً أو مصلحة لا تسقط بالتقادم.

هكذا هو ترامب الثاني بعد أن ضاعت من الذاكرة مواصفات ترامب الأول، البعض يتوقع عودة كوشنر إلى المنطقة، والبعض الآخر يرى في مشروع القرن مجرد تصفية لقضية وحل لنزاع، لا دولة ولا دولتين ولا عدة دول، الحل يكمن لدى ترامب الثاني بعد أن ينتهي من تشغيل ماكينته الحكومية وبعد أن يستقر على الأسماء أيًا كانت هذه الأسماء التي سوف تساعده. ما بين ترامب الأول وترامب الثاني أربع سنوات، هل تغير فيها شيء، يقولون: لقد تغير كل شيء، وقد أصبح العالم مختلفًا، والحروب طاحنة، والسلام قاب قوسين أو أدنى من حالة أزلية أطلق عليها هيكل في زمنه الماضي “لا سلم ولا حرب”.

لكن كيف ذلك؟ كيف لا سلم، وملايين العرب مازالوا مشردين، وكيف لا حرب، والملايين مثلهم يبحثون عن مأوى لكن دون جدوى؟

ما بين ترامب الأول وترامب الثاني ترامب آخر، لا يهم كيف يكون أو متى، ولا يهم ماذا سيصنع لنا في عملية السلام، ولماذا يستبعد حل الدولتين، المهم أن نجد طريقة ملائمة للتعامل مع الرجل، أن نعثر على سلوك دولي شرعي يدفعه إلى احترام العالم أكثر من ذلك، وإلى الاهتمام بقضايا الأرض أكثر من ذلك، وإلى العودة بمد يد العون إلى أوروبا أكثر من ذلك، ولـ “ترامب” الثالث بقية.

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية