الهمجية في طريق مفتوح (1)

| كمال الذيب

‭ ‬القوى‭ ‬الحية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬ترفع‭ ‬أصواتها‭ ‬ضد‭ ‬الهمجية‭ ‬الدولية‭ ‬الجديدة،‭ ‬والتي‭ ‬أصبحت‭ ‬فيها‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬وقلب‭ ‬الأنظمة‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬مصائر‭ ‬الأمم‭ ‬والشعوب‭ ‬عملًا‭ ‬إنسانيًّا‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس‭! ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬الجديد‭ ‬مختل‭ ‬سياسيًّا‭ ‬وأخلاقيًّا،‭ ‬يبدو‭ ‬كرجعة‭ ‬مدهشة‭ ‬إلى‭ ‬عصر‭ (‬الغاب‭)‬،‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬عصر‭ ‬الصناعة‭ ‬والزراعة،‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬ظهور‭ ‬الديمقراطيات‭ ‬والمؤسسات،‭ ‬وحركات‭ ‬التحرر،‭ ‬والمد‭ ‬الحقوقي‭ ‬الذي‭ ‬اقتتلت‭ ‬من‭ ‬أجله‭ ‬ولأجله‭ ‬الأقليات‭ ‬والفئات‭ ‬والطبقات‭ ‬والشعوب‭ ‬المضطهدة‭ ‬قبل‭ ‬ظهور‭ ‬القوانين‭ ‬الحديثة‭ ‬والدبلوماسية‭ ‬والبروتوكولات‭ ‬والمواثيق‭ ‬المنظمة‭ ‬لذلك‭.‬

لقد‭ ‬أسست‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وبريطانيا‭ ‬بعدوانهما‭ ‬على‭ ‬العراق‭ ‬لمنطق‭ ‬جديد‭ ‬أنهى‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬القديم‭ ‬الذي‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬كمرجعية‭ ‬أساسية‭ ‬لسلوك‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬والصغرى‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬وهذا‭ ‬المنطق‭ ‬ليس‭ ‬جديدًا‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬استدعائه‭ ‬من‭ ‬عصر‭ ‬الغاب‭ ‬الذي‭ ‬تكون‭ ‬الغلبة‭ ‬فيه‭ ‬للقوي،‭ ‬بحيث‭ ‬يحل‭ ‬منطق‭ ‬القوة‭ ‬بديلًا‭ ‬عن‭ ‬قوة‭ ‬المنطق‭. ‬وهو‭ ‬كوكتيل‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬التي‭ ‬سادت‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الدولة‭ ‬الأثينية،‭ ‬ونهاية‭ ‬الدولة‭ ‬الرومانية،‭ ‬ونهاية‭ ‬الدولة‭ ‬الأموية‭ ‬والعباسية‭. ‬لقطات‭ ‬مستعارة‭ ‬من‭ ‬نيرون،‭ ‬وكاليغولا،‭ ‬وهولاكو،‭ ‬وتيمور‭ ‬لنك‭ ‬وقراقوش‭. ‬هذا‭ ‬إذا‭ ‬تسامحنا‭ ‬مع‭ ‬نظام‭ ‬البربرية‭ ‬الجديدة،‭ ‬وربطناه‭ ‬بحضارات‭ ‬لامعة‭ ‬قليلًا‭ ‬أو‭ ‬كثيرًا،‭ ‬لأن‭ ‬المفروض‭ ‬حتى‭ ‬نقترب‭ ‬من‭ ‬الدقة‭ ‬أن‭ ‬ننبش‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬حفريات‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ (‬الحضارة‭)‬،‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬اللغة‭ ‬والكتابة‭ ‬والمدنية،‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬اختراع‭ ‬العجلة‭ ‬واعتناق‭ ‬الأديان‭ ‬التوحيدية‭.. ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الفكرة‭ ‬البديلة‭ ‬عن‭ ‬الناب‭ ‬والظفر‭ ‬والبندقية‭

‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬استبدال‭ ‬الكهف‭ ‬بالبيت‭ ‬والمحاكاة‭ ‬بالتجريد‭. ‬نظرة‭ ‬على‭ ‬تاريخ‭ ‬الحروب‭ ‬في‭ ‬الألفي‭ ‬سنة‭ ‬الماضية‭ ‬ترجعنا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أسبابها‭ ‬كانت‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬طموح‭ ‬إلى‭ ‬نشر‭ ‬معتقد،‭ ‬أو‭ ‬احتلال‭ ‬أراض‭ ‬خصبة،‭ ‬أو‭ ‬ثأر‭ ‬لكرامة‭ ‬مهدورة،‭ ‬أو‭ ‬بحث‭ ‬عن‭ ‬مجال‭ ‬لتسويق‭ ‬منتج،‭ ‬أو‭ ‬دفع‭ ‬لخطر‭ ‬متوقع‭.. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬أخلاقيات‭. ‬حتى‭ ‬في‭ ‬أفتك‭ ‬الحروب‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬أخلاقية‭. ‬هتلر‭ ‬استثنى‭ ‬سويسرا‭ ‬المحايدة‭ ‬والفاتيكان‭.. ‬أما‭ ‬حروب‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الجديد‭ ‬فهيمن‭ ‬دون‭ ‬أخلاق،‭ ‬لأنها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الاستحواذ‭ ‬على‭ ‬ثروة‭ ‬بالمجان‭.. ‬أو‭ ‬السمسرة‭ ‬على‭ ‬مصالح‭ ‬ضيقة‭ ‬تستعمل‭ ‬فيها‭ ‬أسوأ‭ ‬وسائل‭ ‬الإبادة‭ ‬وكل‭ ‬الطرق‭ ‬المحرمة‭ ‬من‭ ‬التجويع‭ ‬إلى‭ ‬التعطيش‭ ‬إلى‭ ‬ضرب‭ ‬المستشفيات‭ ‬وسيارات‭ ‬الإسعاف‭ ‬وتدمير‭ ‬المدن‭ ‬والقرى‭ ‬والمتاحف‭ ‬ودور‭ ‬العبادة‭ ‬وقتل‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬وتحت‭ ‬المخيمات‭.. ‬وللحديث‭ ‬صلة‭.‬

كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني