حذفت صفرًا

| ياسمين خلف

أجمل‭ ‬شهادة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحصل‭ ‬عليها،‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تصدر‭ ‬ممن‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬ذات‭ ‬البيئة‭ ‬والمجال‭ - ‬وشهد‭ ‬شاهد‭ ‬من‭ ‬أهلها‭ - ‬يعرف‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تعرفه‭ ‬وما‭ ‬لا‭ ‬تعرفه،‭ ‬ويعلم‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يعلمه‭ ‬إلا‭ ‬أصحاب‭ ‬“الكار”‭ ‬–‭ ‬المهنة‭ ‬نفسها،‭ ‬حينها‭ ‬ستكون‭ ‬الحقيقة‭ ‬بدون‭ ‬أية‭ ‬مبالغة‭ ‬وبدون‭ ‬أية‭ ‬رتوش،‭ ‬وتصبح‭ ‬تلك‭ ‬الحقيقة‭ ‬كالعدسة‭ ‬المكبرة‭ ‬التي‭ ‬ترينا‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تراه‭ ‬أعيننا‭ ‬المجردة‭.‬

طبيب‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص،‭ ‬يتردّد‭ ‬عليه‭ ‬بعض‭ ‬المرضى‭ ‬الفارين‭ ‬من‭ ‬عيادات‭ ‬أخرى‭ ‬تُبالغ‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬علاجاتها،‭ ‬يقول‭: ‬مؤلم‭ ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬جشع‭ ‬واستغلال‭ ‬زميل‭ ‬لك‭ ‬في‭ ‬المهنة،‭ ‬وأنت‭ ‬تعلم‭ ‬أن‭ ‬الإجراء‭ ‬الطبي‭ ‬والعلاجي‭ ‬لن‭ ‬يأخذ‭ ‬منه‭ ‬غير‭ ‬دقائق‭ ‬معدودات،‭ ‬ولن‭ ‬تكلفه‭ ‬الأجهزة‭ ‬والمعدات‭ ‬الشيء‭ ‬الكثير،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬ستخلص‭ ‬المريض‭ ‬من‭ ‬ألم‭ ‬مبرح‭ ‬يقض‭ ‬مضجعه‭. ‬والأكثر‭ ‬إيلامًا‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المريض‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬السن،‭ ‬أو‭ ‬يبدو‭ ‬من‭ ‬سحنته‭ ‬وملابسه‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الطبقة‭ ‬المعوزة،‭ ‬وأنه‭ ‬لم‭ ‬يلجأ‭ ‬إلى‭ ‬الطب‭ ‬الخاص‭ ‬إلا‭ ‬لحاجته‭ ‬الفعلية‭ ‬للعلاج،‭ ‬والذي‭ ‬لم‭ ‬يحصل‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬الطب‭ ‬العام‭ ‬لتأخر‭ ‬المواعيد‭. ‬يقول‭ ‬هذا‭ ‬الطبيب‭ ‬الشريف‭ - ‬كما‭ ‬يحلو‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أطلق‭ ‬عليه‭ - ‬إنه‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬تلك‭ ‬الحالات‭ ‬الواردة‭ ‬عليه‭ ‬حالة‭ ‬لمريض‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬السن‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬وجع‭ ‬أيام‭ ‬وليال‭ ‬طوال،‭ ‬راجعه‭ ‬بعد‭ ‬مروره‭ ‬على‭ ‬عدة‭ ‬عيادات‭ ‬آخرها‭ ‬كانت‭ ‬قيمة‭ ‬العلاج‭ ‬فيها‭ ‬كما‭ ‬أخبره‭ ‬طبيبه‭ ‬500‭ ‬دينار‭ ‬بحريني‭. ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬العلاج‭ ‬لن‭ ‬يستغرق‭ ‬سوى‭ ‬عشر‭ ‬دقائق‭ ‬من‭ ‬وقت‭ ‬الطبيب‭! ‬فقال‭ ‬في‭ ‬نفسه‭: ‬سيكون‭ ‬جميلًا‭ ‬أن‭ ‬أحذف‭ ‬صفرًا‭ ‬من‭ ‬القيمة‭ ‬المبالغ‭ ‬فيها‭ ‬في‭ ‬العلاج‭ ‬لتصبح‭ ‬القيمة‭ ‬50‭ ‬دينارًا‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬500‭ ‬دينار‭! ‬ليخرج‭ ‬هذا‭ ‬الشيخ‭ ‬الكبير‭ ‬من‭ ‬العيادة‭ ‬متحررًا‭ ‬من‭ ‬ألم‭ ‬المرض،‭ ‬ومن‭ ‬ثقل‭ ‬المبلغ‭ ‬الذي‭ ‬أهمّه‭. ‬لكل‭ ‬عيادة‭ ‬خاصة‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬التسعيرة‭ ‬التي‭ ‬تراها‭ ‬مناسبة‭ ‬للعلاجات‭ ‬التي‭ ‬تقدمها،‭ ‬بحسب‭ ‬المعايير‭ ‬التي‭ ‬تضعها،‭ ‬ولكن‭ ‬الجشع‭ ‬والطمع‭ ‬لزيادة‭ ‬الأرباح‭ ‬بات‭ ‬مخيفًا،‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬شكوكنا‭ ‬عند‭ ‬دخولنا‭ ‬أية‭ ‬عيادة،‭ ‬أهو‭ ‬الطب‭ ‬السامي‭ ‬هدفها‭ ‬أم‭ ‬التجارة‭ ‬في‭ ‬آلام‭ ‬الناس‭ ‬وأمراضهم؟‭ ‬هل‭ ‬فعلًا‭ ‬تلك‭ ‬قيمة‭ ‬العلاج‭ ‬الفعلية‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬العلاج‭ ‬ذاته‭ ‬يمكن‭ ‬الحصول‭ ‬عليه‭ ‬بربع‭ ‬السعر؟

ياسمينة‭: ‬ارحموا‭ ‬المرضى‭.‬