“رُعب” العُقودِ المُؤقتة!

| د. جاسم المحاري

 ‬كلمّا‭ ‬زادت‭ ‬جرعتها،‭ ‬جاءت‭ ‬بتداعياتها‭ ‬النفسية‭ ‬والمالية‭ ‬الرديئة‭ ‬لتودي‭ ‬بفقدان‭ ‬الاستقرار‭ ‬فيها‭ ‬وانعدام‭ ‬ضماناتها‭ ‬العائلية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تتراءى‭ ‬في‭ ‬ضحالة‭ ‬فرص‭ ‬الترقي‭ ‬وضياع‭ ‬سنِّي‭ ‬الخبرة‭ ‬من‭ ‬جانب،‭ ‬ومن‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬زيادة‭ ‬أصحاب‭ ‬الأعمال‭ ‬في‭ ‬التسيد‭ ‬على‭ ‬أجواء‭ ‬“الرعب”‭ ‬التي‭ ‬ينعدم‭ ‬فيها‭ ‬الأمان‭ ‬الوظيفي‭ ‬والمستقبلي‭ ‬حين‭ ‬يصعب‭ ‬معها‭ ‬تماسك‭ ‬الأسر‭ ‬وبناء‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تخشى‭ ‬“فَقْد”‭ ‬لقمة‭ ‬عيشها‭ ‬بعد‭ ‬شيوع‭ ‬استغلالها‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬محددة‭ ‬أو‭ ‬حاجات‭ ‬موسمية‭ ‬يتكيّف‭ ‬فيها‭ ‬أولئك‭ ‬الأصحاب‭ ‬في‭ ‬تقليل‭ ‬التكاليف‭ ‬وخفض‭ ‬النفقات‭ ‬كي‭ ‬يفتحوا‭ ‬بها‭ ‬أبواب‭ ‬“الاستعباد‭ ‬اللطيف”‭ ‬في‭ ‬استغلال‭ ‬الفائض‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬البشرية‭ ‬العاملة‭ ‬بشتّى‭ ‬الصور‭ ‬التي‭ ‬تُنتهك‭ ‬فيها‭ ‬حقوقهم‭ ‬الوظيفية‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬أجواء‭ ‬نقابية‭ ‬هشّة،‭ ‬بين‭ ‬معدلات‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬البطالة‭ ‬والتّضخم‭.‬

كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬تحدثُوا‭ ‬عنها‭ ‬بأنّها‭ ‬“حقل‭ ‬ألغام”‭ ‬زُرعت‭ ‬لتفكيك‭ ‬الروابط‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وإشغال‭ ‬الفكر‭ ‬بحدود‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ (‬المعدة‭) ‬بين‭ ‬أقوام‭ ‬المجتمعات‭ ‬الحاضرة،‭ ‬بل‭ ‬وقالوا‭ ‬إنّها‭ (‬صناعة‭ ‬أجنبية‭) ‬أُعيدت‭ ‬لتشكيل‭ ‬مجتمع‭ ‬مهزوز‭ ‬الروابط‭ ‬باتجاهات‭ ‬مُعوّمة‭ ‬وأجيال‭ ‬مُنهزمة‭ ‬جرّاء‭ ‬عقود‭ ‬عمل‭ ‬مؤقتة‭ ‬أضحت‭ ‬ظاهرة‭ ‬يستفرد‭ ‬فيها‭ ‬صاحب‭ ‬العمل‭ ‬بسلطته‭ ‬المُطلقة‭ ‬تارة‭ ‬بإبقائها‭ ‬وتارة‭ ‬بإنهائها‭ ‬دون‭ ‬ضمانات‭ ‬أو‭ ‬حقوق‭ ‬تحت‭ ‬غطاء‭ ‬إداري‭ ‬قاسٍ‭ ‬ومالي‭ ‬مُقنّن،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬استوجب‭ ‬المراجعة‭ ‬المتكاملة‭ ‬وفق‭ ‬آفاق‭ ‬مطمئنة‭ ‬تُحافظ‭ ‬على‭ ‬ثوابت‭ ‬المجتمع‭ ‬وأُطر‭ ‬عصرنته‭ ‬التي‭ ‬تتناغم‭ ‬مع‭ ‬الحداثة‭ ‬الواعية‭ ‬التي‭ ‬تنأى‭ ‬بالجهات‭ ‬المؤثرة‭ ‬بمصداقيتها‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬عقود‭ ‬العمل‭ ‬عن‭ ‬سحب‭ ‬دورها‭ ‬التاريخي‭ ‬وتسليمه‭ ‬للهيئات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬ذات‭ ‬الأجندة‭ ‬المُبطنة‭ ‬التي‭ ‬صيّرتْ‭ ‬العاملين‭ ‬المؤقتين‭ ‬يتأرجحون‭ ‬فرائس‭ ‬سائغة‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬من‭ ‬الاكتئاب‭ ‬والقلق‭!. ‬

‭ ‬نافلة‭: ‬

يُبرهن‭ ‬“العمل‭ ‬المستقر”‭ ‬في‭ ‬أحوال‭ ‬متغايرة‭ ‬على‭ ‬أنّه‭ ‬خطّ‭ ‬الدفاع‭ ‬الأمني‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬به‭ ‬تستقرّ‭ ‬الشعوب،‭ ‬كما‭ ‬أنّه‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬الحقوق‭ ‬المنصوصة‭ ‬التي‭ ‬يتحملها‭ ‬طرفا‭ ‬المعادلة‭ ‬–‭ ‬الحكومة‭ ‬والمواطن‭ ‬–‭ ‬في‭ ‬أيّة‭ ‬منظومة‭ ‬وطنية‭ ‬متكاملة‭ ‬من‭ ‬الحقوق‭ ‬والواجبات‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬إشكالية‭ ‬العقود‭ ‬المؤقتة‭ ‬التي‭ ‬إما‭ ‬أنْ‭ ‬تتجدد‭ ‬أو‭ ‬أنْ‭ ‬تعود‭ ‬بالعامل‭ ‬إلى‭ ‬قافلة‭ ‬العاطلين‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬توالت‭ ‬عليه‭ ‬–‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ - ‬تجارب‭ ‬العاملين‭ ‬البحرينيين‭ ‬“الصعبة”‭ ‬في‭ ‬كبرى‭ ‬المؤسسات‭ ‬والشركات‭ ‬المختلفة‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬التشريع‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬يحكم‭ ‬علاقات‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬نصوص‭ ‬قانون‭ ‬العمل‭ ‬رقم‭ (‬36‭) ‬لسنة‭ ‬2012م‭ ‬التي‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬أصحاب‭ ‬العمل‭ ‬التقيّد‭ ‬بها‭ ‬بعدما‭ ‬أثبتت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الوقائع‭ ‬غياب‭ ‬ضمانات‭ ‬التوظيف‭ ‬التي‭ ‬تُلزم‭ ‬بتوظيف‭ ‬المتدربين‭ ‬المدعومين‭ ‬ماليًّا‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬مدة‭ ‬التدريب‭ ‬المقررة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬السنتين‭.‬

 

*كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني