عن واشنطن ومفاجأة أكتوبر

| إميل أمين

 منذ أن استهل باراك أوباما رئاسة الولايات المتحدة الأميركية عام 2008، والتساؤل مثار الجدل “لماذا هذا الارتماء في أحضان إيران على هذا النحو المثير والخطير، والذي بلغ ذروته عام 2015، حين جرت المياه بالاتفاقية النووية سيئة السمعة، تلك التي مهّدت طريق طهران لحيازة السلاح النووي؟”. علامة الاستفهام المتقدمة لا تزال قائمة، ومن غير أدنى مقدرة على إيجاد جواب لها، فيما الحيرة تتزايد، حين يراجع المرء العديد من سياسات الرئيس بايدن، والذي يعتبر الكثير من المراقبين في الداخل الأميركي، وكذا في الخارج، أن إدارته ليست سوى ولاية ثالثة لأوباما قلبًا وقالبًا. قبل نحو أسبوعين من نهار الاقتراع لاختيار رئيس جديد للبلاد، وتجديد نصف الكونجرس، يبدو بايدن والديمقراطيون من ورائه في أزمة حقيقية عميقة، تتصاعد وتيرتها يومًا تلو الآخر، من جرّاء ما أطلق عليه الرئيس السابق، والمرشح الجمهوري الحالي، دونالد ترمب.. فضيحة كبرى، وهو بالحق فضيحة.. طبطبائي غيت.. ما القصة؟  باختصار غير مخل، كان نهار الجمعة 18 أكتوبر الجاري، يومًا مخيفًا بالنسبة لمجمع الاستخبارات الوطنية في الداخل الأميركي، ذلك أن الأميركيين تفاجأوا بنشر خطط إسرائيل السرية للهجوم المرتقب على إيران، عبر مواقع وثيقة ولصيقة الصلة بطهران على الشبكة العنكبوتية. لسنا بحاجة أول الأمر إلى القول أن تلك الوثائق هي من نوعية سري للغاية، وأن الذين لديهم تصريحات أمنية للاطلاع عليها، يعدون على أصابع اليدين، ومنهم الإيرانية الأصل، الأميركية الجنسية، أريان طبطبائي، تلك التي بدأت باحثة أكاديمية، ومن ثم انطلقت مسيرتها بمباركة كبرى من الرئيس بايدن إلى وزارة الخارجية الأميركية، ومن ثم وزارة الدفاع الأميركية، وبسهولة عجيبة تستدعي الشك في أضعف الأحوال.  مع وصول بايدن إلى سدة الحكم في البيت الأبيض، تم تعيين طبطبائي في منصب مستشار أول في مكتب وكيل وزارة الخارجية لشؤون الحد من الأسلحة والأمن الدولي. صدم هذا الإجراء العديد من دوائر الإيرانيين المعارضين لنظام الملالي، لاسيما في ظل ما هو شائع وذائع عنها، من ارتباطها ببرنامج إيراني ظاهره التعاون الأكاديمي، وباطنه الذي لا يغيب عن أي رجل استخبارات، في أصغر دولة في العالم، يتمحور حول التجسس، لا تنمية العلاقات مع الأكاديميين الأجانب القادرين على حمل لواء النظام الإيراني إلى بقية الدوائر المعنية. وقتها قام أربعة من مجلس النواب الأميركي بتوجيه رسالة لبايدن طالبوا فيها بمراجعة التصريح الأمني للسيدة طبطبائي، غير أن سيد البيت الأبيض رفض الأمر واعتبره نوعًا من التشهير والافتراء.  

ولعل علاقة بايدن بالمؤيدين لطهران، أو عملائها السريين داخل أروقة واشنطن غريبة بالفعل، فقبل عامين تقريبًا، تم وقف التصريح الأمني الخاص بالمبعوث الأميركي لإيران، روبرت مالي، للشك في تسريبه معلومات تؤثر على سياقات الأمن القومي الأميركي، وتجعل الكفة تميل بشكل أو بآخر لصالح إيران، وعلى الرغم من ذلك، لم يتم فصله من وزارة الخارجية، وتبدو التحقيقات التي جرت معه سطحية، وكأن هناك من يوفر له الحماية، ربما خوفًا من أن ينكشف المستور. شكّل مالي، مع طبطبائي، وربما كثيرون غيرهم، أعينًا للنظام الإيراني للتقرب تارة والاختراق تارة أخرى، وهو ما لم يكن ليغيب عن أعين نواب الشعب الأميركي، ولهذا حذّر عدد من أعضاء الكونجرس في سبتمبر 2023، وزير الدفاع الجنرال لويد أوستن، من إبقاء طبطبائي في موقعها، كمدير لمكتب مساعد وزير الدفاع لشؤون العمليات الخاصة والنزاعات الدولية، وجاء في نص الرسالة: “نحن قلقون من أن فردًا يزعم أنه خدم في عملية إعلامية لوزارة الخارجية الإيرانية، يعمل حاليًّا في منصب كبير في وزارة الدفاع، ولذا فإننا نحثكم على اتخاذ إجراءات فورية لضمان عدم المساس بالإدارة الأميركية”. والثابت أن هذا الالتماس لم يلق بدوره أي اهتمام من جانب بايدن أو مستشاريه، وبات السؤال كيف ولماذا سمح الرئيس الأميركي لكل هؤلاء المشكوك في ولاءاتهم بالبقاء ضمن صفوف إدارته ولم يبادر إلى طردهم؟ وإلى أبعد من ذلك، فإن هناك اليوم من يتحدث عن السر وراء هذا التماهي الديمقراطي مع الأدوار السرية لأصدقاء إيران، إن لم يكونوا جواسيسها، وفي أي تاريخ مُنحت طبطبائي تصريحًا أمنيًّا عالي المستوى، وما هي الجهة التي منحتها إياه، وهل خضع هذا التصريح لإعادة تحقيق دورية؟ أسئلة لن يوفر الجمهوريون البحث في أعماقها، وفي يقينهم أن ما جرى وعلى حد تعبير ترمب، فضيحة بمعنى الكلمة. هل ستؤثر طبطبائي غيت على فرص هاريس في الفوز برئاسة قادمة؟ وارد جدًّا أننا أمام مفاجأة أكتوبر لصالح الجمهوريين.