هوية البحرين الوطنية (2)

| أسامة مهران

 الهوية الوطنية ليست بطاقة شخصية أو بيتًا من الشعر يتغنى به الناس، ليست محفلًا نجتمع معه وله وينتهي بانتهاء الحفل، لكنها طبيعة مجتمع، علامة مميزة، ماركة مسجلة، “براند” يتعرّف عليه القاصي والداني، براءة اختراع لا يحصل عليها إلا ذلك الوطن الذي نحن بصدد رسم أهم ملامحه. التحدث عن هوية البحرين الوطنية، تثبيتها، ترسيخها في الأذهان، تعميق وتعبيد مداخلها ومخارجها، هو في حد ذاته وسط تحديات “السوشال ميديا”، وهجمات الفضاء الإعلامي الوثير، يحتاج لإعادة تقييس، إلى إعادة فرز، ما الذي يا ترى يميزنا في مملكة البحرين عن سوانا، ما هي البصمات التي تركتها الأجيال المتعاقبة على الحضارة المتوارثة أبًا عن جد؟ البعض يرى أن المعمار المتميز جزء من شخصية وطن، وأن التراث العمراني المنتشر منذ قديم الأزل كان يشكّل في يوم من الأيام شخصية مملكة البحرين، عيون ومجاري وأنهار عالي التي ارتبطت بها بيوت العديد من العائلات، الأزقة والدواعيس الضيقة في المدينة القديمة “المنامة والمحرق” شكلت شخصية المكان والإنسان، وأصبحت تلك الشخصية تتسم بالصفاء والرقي وكرم الوفادة، والقيام بأعمال تجارية وحرفية لا يمكن لها أن تتألق إلا في تلك الأماكن التي نتذوق من خلالها عبق التاريخ. هوية البحرين الوطنية ساهمت أيضًا في تشكيلها بعض الشخصيات، والذين ارتبطت حياتهم بالتجارة، بالتحديد بغرفة التجارة والصناعة، أعرق غرفة تجارة في منطقة الخليج، شخصيات برزت آثارها واتضحت معالمها، وتميزت مواقفها وكانت ملء السمع والبصر خلال القرن العشرين.  بعضها كان يحمل أسماء عائلات تجارية مؤثرة (فخرو، كانو، المؤيد، الكوهجي، البحارنة، الحواج، وغيرها)، والبعض الآخر ارتبطت أسماؤهم بالأدوار الاقتصادية التي لعبوها خلال أكثر من نصف قرن وهم عادة كانوا ينتمون من حيث النظام المؤسسي إلى غرفة تجارة وصناعة البحرين، باعتبارها الكيان الجامع للتجار المؤثرين وهؤلاء الذين أضافوا للاقتصاد الكثير، ما حدا بهم إلى الوقوف وراء تأسيس الشركات المساهمة العامة، وهؤلاء الذين ساهموا في إنشاء العديد من المصارف التجارية، من بينهم الراحلون محمد يوسف جلال، وقاسم بن أحمد يوسف فخرو، وعلي بن يوسف فخرو، وأحمد بن علي كانو، وراشد بن عبدالرحمن الزياني، ومحمود محمود حسين، وعلي بن أحمد العوضي، وعبدالجبار الكوهجي وأولاده وعبدالرضا الديلمي، ثم جاء جيل آخر من الشباب في ثمانينيات القرن الماضي ليؤثّروا في الحالة العامة للوطن، تجارة واقتصادًا وخدمات عامة، ومن بينهم: حسن محمد زين العابدين، علي بن صالح الصالح، يوسف بن صالح الصالح، خالد بن عبدالرحمن المؤيد، جواد بن يوسف الحواج، عثمان بن محمد شريف، عبدالنبي بن عبدالله الشعلة، إبراهيم بن محمد بن علي زينل، الدكتور عصام بن عبدالله فخرو، إسماعيل بن عثمان بلوش، يوسف بن إبراهيم العوضي، وقبلهم صادق وتقي البحارنة، وغيرهم كثيرون ممن لا يتسع مجرد مقال لحصرهم. هؤلاء وسواهم ساهموا من دون أدنى شك في تشكيل هوية البحرين التجارية، خصوصًا ومع اتساع المشاركة الوطنية في صناعة القرار الاقتصادي تم اختيار بعضهم إما لعضوية مجلس الشورى أو لحمل حقيبة وزارية مثل علي بن صالح الصالح الذي تقلد منصب وزير التجارة لسنوات عديدة قبل اختياره كرئيس لمجلس الشورى، وكذلك السيد عبدالنبي الشعلة الذي شغل حقائب وزارية لمدة 12 سنة، 8 سنوات منها كوزير العمل والشؤون الاجتماعية و4 سنوات كوزير دولة. هذه الشخصيات مثلما أشرت ساهمت في تشكيل هوية البحرين الاقتصادية، خصوصًا أنها نشأت ضمن بيئة تجارية عريقة، ووسط لفيف من الشخصيات المؤثرة التي كان المجتمع يستمع لها، بل والدولة تستأنس بآرائها وتطلب مشاركتها ضمن كيان غرفة التجارة والصناعة في إعداد الدراسات ورسم الاستراتيجيات الوطنية التي ساهمت في تنويع مصادر الدخل منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، حيث تمتّعت تلك الشخصيات بالقدرة على التأثير، نظرًا لخبراتها المتراكمة ودراساتها في الداخل والخارج، ذلك أن هوية البحرين الوطنية ستظل على المدى الرحب بمثابة الشخصية اللامعة وسط المحيط الخليجي الكبير، والعامل المشترك الأعظم بين أهم المنجزات التي حققها الوطن.. كل الوطن.

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية