مغادرة ثقافة “الشعار”
| كمال الذيب
غالبًا ما يجري توجيه الانتقاد للحكومات وتحميلها مسؤولية تعثر التجارب الديمقراطية، مع أنها ضرورة وطنية، وليست مجرد خيار، فمن خلالها يتعرف المواطن على حقوقه وواجباته الدستورية ويشارك بإيجابية في الحياة السياسية وفي تنمية مجتمعه. ولا شك أن جزءًا مهمًّا من هذه المسؤولية يقع على كاهل الدولة، من حيث إطلاق الحريات وحمايتها، وتعزيز التعددية كضرورة لتغذية المجتمع السياسي وتوسيع نطاق التوافقات الوطنية حول القضايا الجوهرية. ولكي نستوعب الموضوع بشكل موضوعي، يجب أن نعترف بعدد من الحقائق، منها: إن تاريخ المواجهات الطويلة بين الأحزاب المعارضة والأنظمة العربية أدّى إلى تقليص المجال السياسي، ما جعل تلك الجماعات تعمل خارج الشـرعية القانونية لسنوات طويلة، ولما انتهت تلك المواجهات، كان الرصيد السياسي للجميع في مستواه الأدنى، بما جعل مهمة إعادة البناء في إطار التعايش الديمقراطي معقدة، ولذلك سريعًا ما يعود الصراع القديم إلى مربعه الأول، وتضطر السلطات إلى التراجع والمعارضة إلى العودة إلى الممارسات القديمة. تصرف الجماعات السياسية – بعد خروجها إلى العلن - في الغالب بالارتباك والتناقض، بما لم يساعد على الإسهام في تطوير الحياة السياسية الرشيدة والعقلانية، بل تكريس التقاليد الشعبوية، دون البرامج والأفكار والرؤى، والاكتفاء بالتعبير عن السخط من دون الإسهام الفعلي في حل المشكلات، بل مواجهة الناس بعلامة (مقدس) في أدبياتها وفي سلوكها وفي قراراتها، ليس في مواجهة السلطات القائمة فحسب، بل في مواجهة المجتمع، بما يجعل الحوار صعبًا والنقد أصعب والمراجعة عسيرة. عدم توفق معظم الجمعيات السياسية في بلورة برامج سياسات واقعية يمكن تنفيذها على أرض الواقع، وبدلًا من ذلك كرست ثقافة “الشعار”، وأصبح العمل السياسي في معظمه أقرب إلى الشعارات، وتحويل العمل السياسي من برامج ورؤى إلى سلوك تحكمه مصالح التنظيم، وتحول زعماء التنظيم بديلًا عن رجال السياسة الواقعيين الحاملين للمشـروع والبرنامج والتطلعات، وتحول العمل السياسي من التركيز على البناء الفكري المؤثر في الناس إلى مجرد خطاب أيديولوجي غير قادر حتى على بناء منطقه الداخلي. ولم يسهم ذلك في إقامة حياة سياسية سليمة متوازنة مثلما هو الشأن في معظم البلدان الديمقراطية.
كاتب وإعلامي بحريني