العقوبات البديلة.. نقلة نوعية

| زهير توفيقي

‭ ‬تلقيت‭ ‬دعوة‭ ‬كريمة‭ ‬لحضور‭ ‬مجلس‭ ‬سيدي‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬واستقبال‭ ‬جلالته‭ ‬كبار‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة‭ ‬المالكة‭ ‬ورئيسي‭ ‬مجلسي‭ ‬النواب‭ ‬والشورى‭ ‬وكبار‭ ‬المسؤولين‭ ‬وعددا‭ ‬من‭ ‬الأهالي‭ ‬وأصحاب‭ ‬الإنجازات،‭ ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬حضوري‭ ‬مجلس‭ ‬جلالته‭ ‬العامر‭ ‬شرف‭ ‬كبير‭ ‬لي‭ ‬وفرصة‭ ‬رائعة‭ ‬واستثنائية‭ ‬للسلام‭ ‬على‭ ‬جلالته،‭ ‬فالحضور‭ ‬كانوا‭ ‬يمثلون‭ ‬مختلف‭ ‬التخصصات‭ ‬والأعمال،‭ ‬ومن‭ ‬جميع‭ ‬محافظات‭ ‬المملكة‭.‬

وفي‭ ‬بداية‭ ‬اللقاء،‭ ‬رحب‭ ‬جلالته‭ ‬بالجميع،‭ ‬منوها‭ ‬بأنها‭ ‬من‭ ‬العادات‭ ‬العربية‭ ‬الأصيلة،‭ ‬إذ‭ ‬نشأ‭ ‬عليها‭ ‬أهل‭ ‬البحرين‭ ‬الكرام‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬طويلة،‭ ‬ويحرصون‭ ‬على‭ ‬المحافظة‭ ‬عليها‭ ‬واستمرارها‭ ‬لما‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬توثيق‭ ‬الترابط‭ ‬والتكاتف‭ ‬وعلاقات‭ ‬الأخوة‭ ‬والمحبة‭ ‬فيما‭ ‬بينهم‭. ‬وبالرجوع‭ ‬إلى‭ ‬كلمة‭ ‬جلالته‭ ‬التي‭ ‬خص‭ ‬بها‭ ‬الإشادة‭ ‬بالنتائج‭ ‬المتميزة‭ ‬لبرنامج‭ ‬العقوبات‭ ‬البديلة‭ ‬لوزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬وكوادرها‭ ‬المخلصين،‭ ‬أعرب‭ ‬جلالته‭ ‬عن‭ ‬فخره‭ ‬بكون‭ ‬البرنامج‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬نوعه‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المنطقة،‭ ‬إذ‭ ‬بادرت‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬بمؤسساتها‭ ‬الدستورية‭ ‬والتنفيذية،‭ ‬وفي‭ ‬سياق‭ ‬حرصها‭ ‬المستمر‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬المنظومة‭ ‬الجنائية،‭ ‬بأن‭ ‬تكون‭ ‬لها‭ ‬تجربتها‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬وبتشريعات‭ ‬وسياسات‭ ‬تعتمد‭ ‬نهج‭ ‬العدالة‭ ‬الإصلاحية‭ ‬المعززة‭ ‬للحقوق‭ ‬الإنسانية‭. ‬فقد‭ ‬وجدت‭ ‬في‭ ‬مضامين‭ ‬كلمة‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬حبه‭ ‬الكبير‭ ‬لأبناء‭ ‬الوطن‭ ‬وقناعته‭ ‬التامة‭ ‬بهذا‭ ‬المشروع‭ ‬الذي‭ ‬أثبت‭ ‬نجاحه‭ ‬محليا‭ ‬ودوليا،‭ ‬وشهد‭ ‬إشادات‭ ‬من‭ ‬المنظمات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الحقوقية‭ ‬الدولية‭. ‬وأكد‭ ‬معالي‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬في‭ ‬كلمته‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬يقف‭ ‬وراءه‭ ‬سيدي‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬بفكره‭ ‬المستنير‭ ‬وتوجيهاته‭ ‬الحكيمة‭ ‬وتأكيده‭ ‬أن‭ ‬شباب‭ ‬الوطن‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬مكانهم‭ ‬السجون،‭ ‬بل‭ ‬احتضانهم‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الأهل‭ ‬والمجتمع‭ ‬والوطن،‭ ‬وتهيئة‭ ‬فرص‭ ‬التعليم‭ ‬والمشاركة‭ ‬الفاعلة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬وتطوير‭ ‬ونهضة‭ ‬الوطن‭ ‬الغالي.

لقد‭ ‬سعدت‭ ‬كثيرا‭ ‬بأنه‭ ‬ومنذ‭ ‬بدء‭ ‬تطبيق‭ ‬البرنامج‭ ‬فعليا‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2018،‭ ‬ساهم‭ ‬منذ‭ ‬تطبيقه‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬بإعادة‭ ‬تأهيل‭ ‬وإدماج‭ ‬7458‭ ‬مستفيدا،‭ ‬وما‭ ‬يؤكد‭ ‬النجاح‭ ‬المميز‭ ‬لمنهجية‭ ‬العمل‭ ‬نسبة‭ ‬التزام‭ ‬المستفيدين،‭ ‬التي‭ ‬بلغت‭ ‬97‭.‬5‭ %‬،‭ ‬وقد‭ ‬لاقى‭ ‬تطبيق‭ ‬برنامجي‭ ‬“العقوبات‭ ‬البديلة”‭ ‬و‭ ‬“السجون‭ ‬المفتوحة”‭ ‬إشادة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي،‭ ‬وحصلت‭ ‬تلك‭ ‬البرامج‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬نايف‭ ‬بن‭ ‬عبدالعزيز‭ ‬للأمن‭ ‬العربي،‭ ‬وعلى‭ ‬شهادة‭ ‬الاعتماد‭ ‬الدولية‭ ‬من‭ ‬الجمعية‭ ‬الإصلاحية‭ ‬الأميركية‭.‬

وفي‭ ‬ذات‭ ‬السياق‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬الغرض‭ ‬من‭ ‬العقوبة‭ ‬تحقيق‭ ‬الردع‭ ‬سواء‭ ‬الخاص‭ ‬أو‭ ‬العام،‭ ‬وقد‭ ‬ثبت‭ ‬للمعنيين‭ ‬أن‭ ‬العقوبة‭ ‬السالبة‭ ‬للحرية‭ ‬ليست‭ ‬دائما‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تحقق‭ ‬الأهداف‭ ‬المرجوة؛‭ ‬لذلك‭ ‬اتجه‭ ‬الفكر‭ ‬القانوني‭ ‬إلى‭ ‬إيجاد‭ ‬بدائل‭ ‬لهذه‭ ‬العقوبة‭ ‬التقليدية‭ ‬عبر‭ ‬إصلاح‭ ‬وتأهيل‭ ‬المحكومين‭ ‬بمثل‭ ‬هذا‭ ‬الفكر‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬العقوبات‭ ‬البديلة‭.‬

ناهيك‭ ‬عن‭ ‬أنه‭ ‬أصبح‭ ‬الهدف‭ ‬المنشود‭ ‬حاليا‭ ‬من‭ ‬العقوبات‭ ‬إصلاح‭ ‬وتأهيل‭ ‬المحكوم‭ ‬عليه‭ ‬وليس‭ ‬الهدف‭ ‬التقليدي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬سائدا‭ ‬قديما،‭ ‬وهذه‭ ‬العقوبة‭ ‬وجدت‭ ‬توازنا‭ ‬بين‭ ‬حرية‭ ‬الإنسان‭ ‬وكرامته،‭ ‬وأيضا‭ ‬حق‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬الزجر‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬ارتكاب‭ ‬الجرائم،‭ ‬فالعقوبة‭ ‬البديلة‭ ‬أوجدت‭ ‬حلا‭ ‬جذريا‭ ‬لكل‭ ‬المشكلات‭ ‬التي‭ ‬صاحبت‭ ‬تطبيق‭ ‬العقوبات‭ ‬التقليدية،‭ ‬وأصبح‭ ‬مبدأ‭ ‬الإصلاح‭ ‬والتأهيل‭ ‬الهدف‭ ‬الأسمى‭ ‬المنشود‭ ‬من‭ ‬فرض‭ ‬هذه‭ ‬العقوبات‭.‬

وهذا‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬حرية‭ ‬وكرامة‭ ‬الإنسان،‭ ‬وأيضا‭ ‬له‭ ‬بعد‭ ‬إنساني‭ ‬كبير؛‭ ‬لأن‭ ‬المحكوم‭ ‬عليه‭ ‬أولا‭ ‬وأخيرا‭ ‬إنسان،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬الظروف‭ ‬قد‭ ‬شاءت‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الموقف،‭ ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬نفكر‭ ‬جميعا‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬إصلاحه‭ ‬وتأهيله،‭ ‬عسى‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬عنصرا‭ ‬فاعلا‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬المجتمع‭ ‬بصورة‭ ‬عامة،‭ ‬وهذا‭ ‬التوجه‭ ‬نصت‭ ‬عليه‭ ‬المواثيق‭ ‬الدولية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬العقوبة‭ ‬البديلة‭ ‬ليست‭ ‬إفراجا‭ ‬عن‭ ‬الشخص،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬عقوبة‭ ‬وتحقق‭ ‬أيضا‭ ‬الأهداف‭ ‬المنشودة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إلغاء‭ ‬شرط‭ ‬قضاء‭ ‬نصف‭ ‬المدة‭ ‬وأيضا‭ ‬منح‭ ‬الحق‭ ‬للجهة‭ ‬المعنية‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬بأن‭ ‬تطلب‭ ‬تطبيق‭ ‬العقوبات‭ ‬البديلة‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينفذها‭ ‬المحكوم‭ ‬ضده،‭ ‬ستزيد‭ ‬من‭ ‬عدد‭ ‬المستفيدين،‭ ‬ويعد‭ ‬ذلك‭ ‬توسعا‭ ‬محسوبا‭ ‬لمملكة‭ ‬البحرين‭ ‬ودليلا‭ ‬على‭ ‬مسايرة‭ ‬المملكة‭ ‬أحكاما‭ ‬واتفاقيات‭ ‬دولية‭ ‬انضمت‭ ‬لها،‭ ‬وأيضا‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭ ‬تطبيقا‭ ‬لمبادئ‭ ‬أقرتها‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬بشأن‭ ‬السجناء‭ ‬والموقوفين‭ ‬والعقوبات‭ ‬والإجراءات‭ ‬المختلفة،‭ ‬وهذا‭ ‬يؤكد‭ ‬المكانة‭ ‬الحقوقية‭ ‬التي‭ ‬وصلت‭ ‬لها‭ ‬المملكة،‭ ‬والحرص‭ ‬الذي‭ ‬تبديه‭ ‬دائما‭ ‬في‭ ‬تطبيق‭ ‬ومراعاة‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬بصورة‭ ‬عامة‭ ‬وحقوق‭ ‬المحكومين‭ ‬والنزلاء‭ ‬ومراكز‭ ‬الإصلاح‭ ‬والتأهيل‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭. ‬

الخلاصة‭.. ‬قانون‭ ‬العقوبات‭ ‬البديلة‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الإنجازات‭ ‬الحقوقية‭ ‬التي‭ ‬عززت‭ ‬ترابط‭ ‬النسيج‭ ‬المجتمعي،‭ ‬وساهمت‭ ‬في‭ ‬الاستقرار‭ ‬الأسري،‭ ‬وخفض‭ ‬معدلات‭ ‬الجريمة،‭ ‬وانخراط‭ ‬المستفيدين‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬وممارسة‭ ‬حياتهم‭ ‬بشكل‭ ‬طبيعي‭.‬

اللهم‭ ‬احفظ‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬سوء‭. ‬

كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني