الانتخابات الأميركية وفخ العنف السياسي

| إميل أمين

لعل السؤال الأهم والأخطر الذي يراود عقول الأميركيين بداية، والعالم من ورائهم: “هل ستنجو الولايات المتحدة الأميركية من فخ العنف المصاحب للانتخابات الرئاسية في 5 نوفمبر المقبل؟”. المؤكد أن أميركا لم تصل إلى هذا المستوى غير المسبوق من أعمال العنف بين عشية وضحاها، ذلك أنه وفي أقل من عقد من الزمان، أصبح العنف سمة منتظمة بشكل صادم للحياة السياسية الأميركية، وربما تجلى المشهد بنوع خاص خلال الانتخابات الرئاسية 2020، وذروتها الصدام الذي جرى في 6 يناير، المعروف بواقعة الكونجرس. اليوم ولم تتبق على موعد الاقتراع سوى أيام معدودات تبدو عملية التصويت وكأنها تجري برسم الصدام العرقي والآيديولوجي، عطفا على المواجهات ذات الطبيعة الدوغمائية، بأكثر من كونها منافسة سياسية، مهما حمي وطيسها. لم يعد سرا أن هناك تحذيرات على أعلى مستوى في البلاد تنذر من الخطر المتصاعد، والذي معه بدأت المؤسسة العسكرية الأميركية، وهي أعلى المؤسسات التراتبية المنضبطة في العالم، الحديث بصوت هامس، عن ضرورة استعدادها لملاقاة كل الاحتمالات ومنها احتمال شيوع وذيوع الفوضى في عموم البلاد. على أن البحث في جذور مشاهد العنف السائدة اليوم في الداخل الأميركي، تتجاوز في حقيقة الحال حديث الانتخابات الرئاسية، إذ يعود السبب الحقيقي إلى التغيرات المتوقعة في الهوية الوطنية للجمهورية الأميركية.. ماذا يعني ذلك؟ باختصار غير مخل، يبدو التغير الديمغرافي هو الوازع الأكبر وراء مخاوف الأميركيين في الداخل. 

ففي عام 1990 كان 76 % من سكان الولايات المتحدة من الواسب WASP أي البيض الأنجلوساكسون البروتستانت، أحفاد البيوريتانيين الذين رحلوا من أوروبا على متن السفينة ماي فلاور عام 1620، وفي عام 2023 قدر مكتب الإحصاء الأميركي هذا الرقم بنحو 58 %، وبحلول العام 2035، من المقرر أن تنخفض النسبة إلى 54 %، وبعد عقد من الزمان، سوف تنخفض إلى أقل من 50 %.  أدت هذه التغيرات وستؤدي إلى تصاعد الغضب بين المحافظين، حيث يرى كثير منهم أن التنوع العرقي المتزايد يشكل تهديدا وجوديا لأسلوب حياتهم. من عند هذه النقطة يمكننا النظر إلى الصراع الانتخابي الدائر، فمن جانب تبدو المرشحة الديمقراطية، كامالا هاريس، فرصة جيدة للأقليات والأعراق، ولفكرة أميركا “بوتقة الانصهار”، أي الدولة التي عمادها الرئيس وجماهير المهاجرين الغفيرة، والتي تشكل مسار الحلم الأميركي. غير أنه على الجانب الآخر، يبدو المرشح الجمهوري، الرئيس السابق دونالد ترامب، كمغناطيس جاذب للحركة القومية، سواء عرقية أو دينية، والتي تطالب بجعل أميركا عظيمة من جديد، أميركا تصلي ثانية، أميركا المكتسية بثوب ديني وإيماني واحد، يكاد يلفظ الأعراق الأخرى ويعتبرها في سريرته دخيلة على بلاده. لا تبدو الشعبوية غريبة عن الداخل الأميركي، فقد عرف الأميركيون عدة موجات منها، فعلى سبيل المثال في أوائل عشرينات القرن العشرين، تصدى ملايين من حركة الكوكلكس كلان البيضاء العنصرية، لهجرة الكاثوليك من أوروبا، الأمر الذي يجعلنا نتساءل في خوف وقلق اليوم، كيف ينظر هؤلاء للمسلمين والبوذيين والهندوس، واللاتينوس، القادمين من مختلف أرجاء الأرض. كارثة صراع الانتخابات الرئاسية الأميركية اليوم هي أن الجمهوريين ومعهم ملايين الأميركيين، يقطعون بأن الديمقراطيين يريدون استبدال الناخبين الحاليين بأشخاص جدد، ناخبين أكثر طاعة من مهاجري العالم الثالث. التنبؤ بمستقبل أميركا أمر صعب، لكن حكما نقول إن الولايات المتحدة تواجه طريقا وعرا، الأمر الذي يجعل استقرار العالم معرضا للخطر إذ لا تزال الكتلة الوازنة الأكبر في الحال والاستقبال، وإذا كان العالم معها يئن، فهو بدونها يمكن أن يتألم.

كاتب مصري خبير في الشؤون الدولية