طوابير إهدار الكرامة
| علي جلال
هل روّضَتْنا مواقع التواصل الاجتماعي وأمواج الإعلانات التي لا تتوقف لنتحول إلى إدمان الاستهلاكية بأقبح صورها تطرفا، وإلى فلسفة: كلما اشتهيت أمرا في “السوشال ميديا” اشتريته، وكلما رأيت “هبة” تبعتها، حتى لو ساهم ذلك في إهدار كرامتك؟ كان هذا التساؤل يمر في بالي وأنا أشاهد مشاجرة نسائية في إحدى دولنا الخليجية على كوب قهوة جديد تم توزيعه لمناسبة خاصة من أحد المقاهي بإصدار محدود جدا، حيث إن الأمر تطلَّب أن تستغرق ثلاث ساعات من الانتظار في طوابير طويلة تحت أشعة الشمس للحصول على الكوب المميز! لكن يتصادف مع كل هذا الانتظار انتهاء كمية الأكواب، وبقاء كوب أخير أمام جموع غفيرة، تحوَّلت أخلاقياتهم إلى قاع الحضيض المقرف، حيث بدأت الأنانية والصراع لتحديد من سينال الكوب الأخير، إنها نزعة متطرفة إلى الاستهلاك المنفِّر. قبل ما يربو على عشرين عاما، كانت هناك “هبة” واسعة أيضا، لكنها كانت في اتجاه آخر مختلف، يقوم على فكرة الاستثمار وتنمية الأموال، حيث كانت جموع الناس تتدفق تلك الفترة في طوابير طويلة مع كل اكتتاب يطرح في الشركات والبنوك العاملة في السوق الخليجية، بهدف الحصول على نصيب من هذا الاكتتاب، فكانت فلسفة البحث عن جني الأرباح وشد الرحال لها في حشود بشرية تزحف بين الدول الخليجية تلك الفترة لهذه الغاية، بل كان بعضهم ينام في السيارات بعد امتلاء كل الفنادق بسياح الاكتتابات. التحشيد الاستهلاكي قائم على قدم وساق، والكثير مرتاح من هذا الوضع، بل ويشيطن الناصح ومن يدعو لنقد هذه الحالة. نعم، شتان ما بين طوابير الاستثمار وطوابير انتظار كوب قهوة، وإن كنت أكره الاثنين لما فيهما من إهدار للكرامة، فلماذا يرضى الإنسان لنفسه ذلك؟