سنغافورة ما بين الحلم والإنجاز في سيرة ذاتية!
| حسين شبكشي
منذ حقبة الستينات الميلادية من القرن الماضي اتفق عدد كبير من المحللين الاقتصاديين بأن الحقبة الاقتصادية للقارة الآسيوية تم الإعلان عن ولادتها، وذلك بالانطلاقة المهمة لليابان ودخولها كمصنع أساسي للسيارات والأدوات الكهربائية ومختلف المجالات الأخرى، وبعدها انطلقت دول أخرى تلحق بالركب الياباني عرفت لاحقا بالنمور الآسيوية، وهي كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة وماليزيا وإندونيسيا وتايلاند بشكل أساسي، وبعدها لحق بهم التنين الصيني العملاق الذي سحب معه دولا أخرى أهمها فيتنام. ومع كل ذلك الزخم الاقتصادي بقيت قصة النجاح المذهل الذي حصل لسنغافورة مصدر إلهام للعديد من دول العالم الثالث، فالذي حصل في تلك الجزيرة الصغيرة بقيادة زعيمها الاستثنائي لي كوان يوو لا يمكن إلا وصفه بالمعجزة الاقتصادية، ويكفي أن نعرف أن تجربة هذا الرجل هي التي كان لها التأثير الأعظم والأهم على الزعيم الصيني دنج زياو بينج في تغيير مسار بلاده إلى الانفتاح على اقتصاد السوق، فهو كان بمثابة المستشار الاقتصادي الأول له. تذكرت كل ذلك وأنا أقرأ باستمتاع كتابا يروي السيرة الذاتية الثرية لكيشور مهبوباني بعنوان “الحياة في القرن الآسيوي.. مذكرات غير دبلوماسية”، ومهبوباني هو أشهر الشخصيات السنغافورية بعد لي كوان يوو كدبلوماسي سابق مرموق كان سفيرا لبلاده في الأمم المتحدة وترأس مجلس الأمن، وأكاديمي مهم جدا في مجموعة من أعرق جامعات العالم، بالإضافة إلى كونه كاتبا ومفكرا ومحاضرا يصنف دوما في أعلى المراتب عالميا وآسيويا. والمؤلف الآتي من أصول هندية هاجرت أسرته إلى سنغافورة نتاج الانفصال الهندي الباكستاني وولد فيها، تروي سيرته فقر أسرته الشديد وأهمية التغييرات في النظام التعليمي في سنغافورة والذي كان أهم عناصر التمكين وصناعة الأمل، والذي حقق له فرصة الصعود والإنجاز. وتستمر صفحات هذه السيرة الذاتية الممتعة في رواية التطورات المذهلة التي حدثت لسنغافورة وشعبها، والتي مكنتها من أن تتبوأ أهم المراتب في التصنيفات المتعلقة بجودة الحياة ونزاهة القضاء وتنافسية التعليم ومعدلات الدخل الشخصي وكفاءة البنى التحتية وتدني معدلات الجريمة في فترة تكاد تكون أشبه بلمح البصر في عمر الأمم.