كاميرا على مرمى النار

| سليم مصطفى بودبوس

يظل العمل الصحافي الميداني في مناطق النزاع المشتعلة من أخطر الأعمال، فما بالك حين يكون أحد أطراف الصراع يتعمّد القضاء على المراسلين الصحافيين، قتلا بدم بارد ووَأْدًا للحقائق، طالما هو أقوى وأعلى من القانون الدولي. نقول هذا الكلام بكل ألم في الذكرى الأولى لمقتل الصحافي اللبناني عصام عبدالله (37 عاما)، والذي كان يعمل “مصوّر فيديو” بوكالة رويترز للأنباء، وقد قُتل في منطقة “علما الشعب” جنوبي لبنان في 13 أكتوبر 2023، وفقاً لعدد من التحقيقات المستقلة. نقول هذا الكلام ونردّده لمقتل شيرين أبوعاقلة في 11 مايو 2022، ونقوله ونعيده مئات المرات اليوم وغدا لمقتل عشرات الصحافيين، ولإصابة مئات منهم في غزة منذ الاجتياح الصهيوني للقطاع، في أكثر الصراعات دموية بالنسبة إلى الصحافيين على امتداد تاريخ الصحافة في العالم. ويتجدد الحديث عنه اليوم وبإلحاح بعد استشهاد المصور الصحافي محمد الطناني وإصابة الصحافي تامر لبد العاملَيْن في قناة الأقصى الفلسطينية، وكذلك مع إصابة الصحافي علي العطار والمصور فادي الوحيدي الذي أصيب بطلق ناري في العمود الفقري منذ أيام قليلة. نقول هذا ولا نملّ من ترديده حتى يصل صوت الصحافيين إلى العالم؛ إذْ يعاني الصحافي في مواقع الحروب عموما، وفي فلسطين خصوصا، الأمرّين من ظروف العمل لكثرة المخاطر المحدقة به، فكأنّه يحمل كفنه بين يديه حين يخرج ليصوّر وينقل الخبر من ساحات القتال. وقد تجاوز عدد الصحافيين الذين استشهدوا في غزة منذ طوفان الأقصى المئة؛ ووفقًا لما ذكرته لجنة حماية الصحافيين منذ بدء الحرب في 7 أكتوبر وحتى 7 يونيو 2024، فقد بلغ عدد الصحافيين الذين قضوا في غزة 107 شهداء. وتعمد قوات الاحتلال إلى منع تغطية الجرائم التي تمارسها على المدنيين في قطاع غزة، وما يجري اليوم في جباليا وغيرها من المخيمات وما بقي من مدن القطاع، بل وتمنع الصحافيين المصابين من تسهيل خروجهم من القطاع لتلقي العلاجات الضرورية لإنقاذ حياتهم. 

ويظل هؤلاء الذين قتلوا ويقتلون في غزة وغيرها من مناطق فلسطين المحتلة شهود عيان يحتاجهم التاريخ؛ لأنهم حاولوا تسليط الضوء على الحياة اليومية لسكان غزة وهم يعيشون في ظل أزمة إنسانية خانقة غير مسبوقة. هؤلاء الصحافيون صاروا يَعْرِفون منذ فترة طويلة أنّ ستراتهم لم تعد تحميهم، بل أسوأ من ذلك، فهي ربما تعرّضهم بشكل أكبر للخطر، وبالرغم من ذلك يواصلون أداء الرسالة.

*كاتب تونسي ومدير تحرير مجلة البحرين الخيرية