قفزة هائلة للسماء.. الكون على مرمى تيراهيرتز

| ياسر سليم

الاختراق الذي حققته الصين بالإعلان أخيرا عن قفزة متطورة في تطبيقات تكنولوجيا الاتصالات السريعة باستخدام موجات تيراهيرتز وليس ميجاهيرتز، يعد نقطة تحول رئيسة في عالم الاتصالات والتكنولوجيا. ونجح فريق تجريبي مشترك، بقيادة مرصد زيجينشان التابع للأكاديمية الصينية للعلوم أخيرا، في تحقيق نقل لاسلكي لمسافات كيلومترية لإشارة فيديو عالية الدقة، باستخدام استقبال فائق التوصيل على هضبة تشينغهاي - التبت.  وهذه هي المرة الأولى دوليا التي يتم فيها تطبيق تقنية مستقبلات التيراهيرتز فائقة الحساسية بنجاح في أنظمة الاتصالات اللاسلكية بعيدة المدى. وجاء الإعلان عن نجاح التجربة تزامنا مع الاحتفالات بالذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس جمهورية الصين الشعبية، ما يعزز من دلالة هذا الحدث في السياق الوطني والتاريخي للبلاد. ربما يبدو مصطلح “التيراهيرتز” غامضا بالنسبة لكثيرين، لكنه يحمل في طياته إمكانات ثورية قد تؤثر على حياتنا اليومية بشكل غير مسبوق. التيراهيرتز هي موجات كهرومغناطيسية تقع بين موجات الميكروويف والأشعة تحت الحمراء في الطيف الكهرومغناطيسي، وما يجعل هذه الموجات مميزة هو قدرتها الفائقة على نقل البيانات بسرعات غير مسبوقة، مقارنة بالموجات الحالية مثل الميجاهرتز، فإذا كنا نعتمد اليوم على موجات الميجاهرتز في العديد من تطبيقات الاتصالات، فإن التحول إلى التيراهيرتز يعني مضاعفة سرعة نقل البيانات بشكل قد يغير شكل الاتصالات بالكامل. ويمكن تشبيه هذا الاختراق بانتقال وسائل المواصلات من السيارات إلى الطائرات، فالفارق في السرعة والإمكانات هائل. هذا الإنجاز لا يقتصر على تحسين سرعة الإنترنت فقط، بل يمتد إلى مجالات متعددة، فعلى سبيل المثال: في مجال الطب، يمكن لموجات التيراهيرتز أن تُحدث ثورة في التصوير الطبي، إذ ستوفر صورا أكثر وضوحا ودقة للأعضاء والأنسجة البشرية، ما قد يساعد الأطباء في تشخيص الأمراض بدقة أكبر وبوقت أسرع.  أما في التكنولوجيا الحيوية، فيمكن أن تسهم في تطوير علاجات جينية وأدوية تستهدف الخلايا بدقة غير مسبوقة، ما يمهد لعلاجات طبية أكثر فعالية وتخصصا.  وفي مجال الأمن، يمكن استخدام هذه الموجات لتطوير أجهزة كشف متقدمة تستطيع تحديد الأسلحة أو المتفجرات بدقة أعلى، ما يعزز كفاءة أنظمة الأمن في الأماكن الحيوية، مثل المطارات والمراكز الحيوية. ومع ذلك، يواجه هذا الاختراق تحديات تقنية لا يمكن التغاضي عنها. هناك أولا، تكلفة إنتاج الأجهزة التي تعتمد على موجات التيراهيرتز التي ما تزال مرتفعة للغاية، ما يجعل تعميمها واستخدامها على نطاق واسع أمرا يتطلب استثمارات كبيرة. ثانيا، موجات التيراهيرتز تتأثر بالتداخلات الطبيعية، مثل الرطوبة والأجسام المعدنية، وهو ما قد يحد من فعاليتها في بعض البيئات. كما أن العديد من المواد تمتص هذه الموجات، ما يصعّب تحقيق انتشار واسع لها دون مواجهة هذه العقبات. وعلى الرغم من هذه التحديات، فإن تأثير هذه التكنولوجيا على حياتنا قد يكون هائلا إذا تم التغلب على العقبات. تخيل مستقبلا تكون فيه مكالمات الفيديو فائقة الوضوح وسريعة بشكل لا يصدق، أو تكون فيه العمليات الجراحية عن بعد أكثر دقة بفضل الاتصال عالي السرعة. يمكن لهذه التكنولوجيا أن تقود إلى ابتكارات جديدة قد تغير الطريقة التي نعيش ونعمل بها. إضافة إلى ذلك، يعزز هذا الإنجاز مكانة الصين قوةً تكنولوجية رائدة على الساحة العالمية، في ظل المنافسة الشديدة بين القوى الكبرى في مجال الابتكار التكنولوجي، ويبدو أن الصين تسير بخطى ثابتة نحو القمة، وهذا الاختراق قد يجعلها في موقع الريادة.  سيكون على الدول الأخرى تطوير تكنولوجيات مشابهة للحفاظ على تنافسيتها، ولكن يظل السؤال المطروح هو كيف ستتعامل الدول الأخرى مع هذه القفزة الصينية في مجال موجات التيراهيرتز؟ وهل ستتمكن من مجاراة هذا التطور؟ يبدو أن العالم يقف على أعتاب حقبة جديدة من الابتكار التكنولوجي، ومن سيستفيد منها هم أولئك الذين يستطيعون تبني هذه التكنولوجيا وتطويرها.