“امبراطورة” التعليم القروية

| د. جاسم المحاري

إذا‭ ‬ما‭ ‬ابتغيت‭ ‬جيلاً‭ ‬يتولى‭ ‬زمام‭ ‬قيادة‭ ‬شأن‭ ‬أيّ‭ ‬مجتمع‭ ‬بشري،‭ ‬فدعه‭ ‬يرتع‭ ‬في‭ ‬أحضان‭ ‬العلم‭ ‬وينهل‭ ‬في‭ ‬ربوعه‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬يُشعره‭ ‬التميز‭ ‬ويزيد‭ ‬ثقته‭ ‬ويرفع‭ ‬مكانته‭ ‬ويُحقّق‭ ‬نجاحه،‭ ‬وهو‭ ‬لبّه‭ ‬إجابة‭ ‬تساؤل‭ ‬الكثيرين‭ ‬عن‭ ‬علّة‭ (‬سجن‭ ‬الآباء‭) ‬وقتما‭ ‬يُجبرون‭ ‬أطفالهم‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬تحت‭ ‬السن‭ ‬القانونية،‭ ‬فحينئذٍ‭ ‬يُعدّ‭ ‬انتهاكًا‭ ‬لحقوقهم‭ ‬قبالَ‭ ‬منظمات‭ ‬وهيئات‭ ‬ومؤسسات‭ ‬وفرت‭ ‬لهم‭ ‬سبُل‭ ‬التعليم‭ ‬الذي‭ ‬أكسبهم‭ ‬المكانة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وحلّ‭ ‬مشاكلهم‭ ‬ورفع‭ ‬شأنهم‭ ‬وأنار‭ ‬بصيرتهم‭ ‬ووقاهم‭ ‬الضعف‭ ‬وشجعهم‭ ‬على‭ ‬الإبداع‭ ‬وبناء‭ ‬النفس‭ ‬وتحقيق‭ ‬الذات‭ ‬على‭ ‬دروب‭ ‬طاعة‭ ‬المعبود‭ ‬الواحد‭ ‬الذي‭ ‬يبني‭ ‬المجتمعات‭ ‬الأرقى‭ ‬ويزهو‭ ‬بالأوطان‭ ‬الأقوى‭. ‬من‭ ‬جملة‭ ‬هذا‭ ‬التعليم‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬سائد‭ ‬في‭ ‬القُرى‭ ‬البحرينية‭ ‬التي‭ ‬اصطبغت‭ ‬بالتَّعليم‭ ‬المرتبط‭ ‬بأسس‭ ‬الدّين‭ ‬الحنيف‭ ‬ومبادئ‭ ‬الكتاب‭ ‬الكريم‭ ‬وسيرة‭ ‬الصحابة‭ ‬الكرام‭ ‬وسُبُل‭ ‬التابعين‭ ‬الأفذاذ‭ ‬ونهج‭ ‬العلماء‭ ‬الأجلاء‭ ‬في‭ ‬مساحات‭ ‬شاسعة‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬الفرديَّة‭ ‬والأسريَّة‭ ‬والاجتماعيَّة‭ ‬والدينية‭ ‬عند‭ ‬مسائل‭ ‬الصلاة‭ ‬والصوم‭ ‬والحجّ‭ ‬والفطرة‭ ‬وما‭ ‬شابه،‭ ‬ضمن‭ ‬مسعاها‭ ‬الحثيث‭ ‬لتأسيس‭ ‬أجيال‭ ‬تفيض‭ ‬بوعيها‭ ‬الرّاسخ‭ ‬بالأفكار‭ ‬والمفاهيم‭ ‬الخالصة،‭ ‬وينعم‭ ‬بالعقل‭ ‬والثقافة‭ ‬الصالحة‭ ‬ويُثبّت‭ ‬بالوعي‭ ‬السليم‭ ‬صياغة‭ ‬الأدمغة‭ ‬والعقول‭ ‬المنتجة‭ ‬وخلق‭ ‬الوجدان‭ ‬والمشاعر‭ ‬الصادقة‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬السُّلوك‭ ‬الواعي‭ ‬المشحون‭ ‬بالعواطف‭ ‬الإيمانيَّة‭ ‬الحقّة‭.‬

نافلة‭: ‬

في‭ ‬حقبة‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الثمانينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬يُخصصّ‭ ‬جزء‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬للتعليم‭ ‬حيث‭ ‬يبقى‭ ‬مفتوحاً‭ ‬في‭ ‬فصل‭ ‬الصيف‭ ‬فيما‭ ‬يكون‭ ‬مغلقاً‭ ‬بالداخل‭ (‬الحوش‭) ‬أثناء‭ ‬فترة‭ ‬الشتاء،‭ ‬وكثيراً‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يذيع‭ ‬صيت‭ ‬“المَعَلْمَة”‭ ‬آنذاك‭ ‬في‭ ‬بيوتات‭ ‬القُرى‭ ‬وهي‭ ‬تُعلّم‭ ‬الصبية‭ ‬والصبايا‭ ‬الذين‭ ‬يلتحقون‭ ‬في‭ ‬فترتي‭ ‬الصباح‭ ‬أو‭ ‬المساء‭ ‬حفظ‭ ‬القرآن‭ ‬وبعض‭ ‬أحكامه‭. ‬فقد‭ ‬كانوا‭ ‬يتلقون‭ ‬على‭ ‬يديها‭ ‬الدروس‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬نطق‭ ‬الحروف‭ ‬وكتابتها،‭ ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬حفظ‭ ‬القرآن‭ ‬وغرس‭ ‬تعاليمه‭ ‬فيهم‭ ‬وتعزيز‭ ‬إيمانهم‭. ‬واستمراراً‭ ‬لدور‭ ‬امبراطورة‭ ‬التعليم‭ ‬–‭ ‬المَعَلْمَة‭ - ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحالي،‭ ‬لم‭ ‬يعدْ‭ ‬مُستغرباً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الصبغة‭ ‬المحافظة‭ ‬التي‭ ‬يكتسي‭ ‬بها‭ ‬المجتمع‭ ‬البحريني‭ ‬منذ‭ ‬فجر‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الأول‭ ‬الهجري،‭ ‬انتشار‭ ‬الهيئات‭ ‬التطوعية‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬تعليم‭ ‬أساسيات‭ ‬الدين‭ ‬ومبادئه‭.

ونشر‭ ‬تعاليمه‭ ‬الدينية‭ ‬والدنيوية‭ ‬وغيرها‭ ‬تحت‭ ‬مسميات‭ ‬متنوعة‭ ‬مثل‭ ‬مشاريع‭ ‬“تعليم‭ ‬الصلاة”‭ ‬أو‭ ‬“التعليم‭ ‬الديني”‭ ‬التي‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تأخذ‭ ‬حيزاً‭ ‬في‭ ‬المساجد‭ ‬أو‭ ‬البيوتات‭ ‬بصورة‭ ‬شبه‭ ‬يومية‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬صلاة‭ ‬المغرب‭ ‬مباشرة‭ ‬لمتعدد‭ ‬المراحل‭ ‬والأعمار‭ ‬بمختلف‭ ‬المناطق‭ ‬والقرى‭ ‬البحرينية‭.‬

نسأل‭ ‬الربّ‭ ‬المُتعال‭ ‬أنْ‭ ‬يهبَ‭ ‬بعظيم‭ ‬منّه‭ ‬ويمنح‭ ‬بكبير‭ ‬كرمه‭ ‬لمَنْ‭ ‬كُنّ‭ ‬“الساعد‭ ‬الأيمن”‭ ‬في‭ ‬تعليمنا‭ ‬أساسيات‭ ‬الفروض‭ ‬والواجبات‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬تسودها‭ ‬ثقافة‭ ‬السلام‭ ‬المجتمعي‭ ‬الناصع‭.‬

‭ ‬

كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني