نوبل والشحات والموعظة غير الحسنة
| نعمات مدحت
مهما قلت، ومهما نعيت، فإنني لن أطالب بنوبل لأي عربي أو أي عربية، لن أبكي راحلينا من أدباء، ومفكرينا من علماء، لمجرد أن سيدة كورية فازت بنوبل للآداب هذا العام، أو لمجرد أن الجائزة "الأسطورية" ذهبت لسوانا، أو أننا بعد نجيب محفوظ لم ترتفع أعلامنا على منصات ستوكهولم لتتوج بطلاً من أشاوسنا الأدباء، أو عملاقاً تحت التمرين ليفرد أجنحته أكثر فأكثر على ظلال حياتنا.
لن أتوجع في الحزن أكثر على الشاعر الراحل محمد الشحات الذي عرفته عن قرب وقرأت له عن بعد ونشرت له كلما كان ذلك ممكناً، لن أبكيه أو أبكي على نوبل، لأنها للمرة الألف تضيع منا ونحن قاب قوسين أو أدنى منها. في القديم الذي ليس ببعيد، تم حرمان الأديب المصري الكبير والقصاص الملقب بـ"تشيكوف" القصة القصيرة العربية دكتور يوسف إدريس وهو على بعد خطوات منها لتذهب لسواه، ولن أترحم على الشاعر الفلسطيني محمود درويش لأنه حول قضيته القومية إلى قضية عالمية بالشعر، ولم يفز أيضاً بنوبل. ولن أذهب للروائي حنا مينا أو الفذ الطيب صالح في رائعته "موسم الهجرة إلى الشمال" ولم يتوج من أجل عيون الجنوب بنوبل بعد أن تم ترشيحه رسمياً لها.
لن، ولن، ولن. وأحلام أخرى كثيرة ستظل معلقة حتى إشعار آخر، حول الجدل الدائر على السوشيال ميديا حالياً حول أحقية الأديبة الكورية "هان كانغ" بنوبل من أجل فكرة في غاية البساطة ورواية في غاية الابتسار، وهي تتحدث عن الحياة النباتية بطريقتها الخاصة، خاصة بعد فوزها غير المتفق عليه سابقاً بجائزة "مان بوكر" عام 2016 عن روايتها "The Vegetarian".
لن يلوم نوبل أحد ولن يستطيع أي عربي إيجاد بديل راهن لـ"هان" للفوز بنوبل رغم الضجيج الرائع من أدبائنا ونقادنا ومفكرينا وغيرتهم المستحقة على الجائزة الدولية، وربما عن بعض أعمالهم التي تستحق أو لا تستحق.
الكارثة أن أموال الجائزة التي تصل إلى مليون دولار هي التي أحزنت كثيراً من أدبائنا، ربما لأن أحوالهم المادية ليست على ما يرام، وربما لأن الجائزة بقيمتها وشحمها ولحمها تمثل إنقاذاً شبه مستحق للكثيرين منا. إلا أن ما يُثار عن تسييس لجنة تحكيم الجائزة واعتباراتها التي تبتعد أحياناً عن المعايير الأدبية البحتة، وانجرارها وراء خزعبلات السياسة ودروايش المناطقية المبهمة، هو الذي يذهب بخيالاتنا إلى أبعد من ذلك بكثير، ربما إلى ما يحدث الآن في منطقة الشرق الأوسط من حرب وجودية بين بقايا ما يطلقون عليهم بـ"الممانعة" وإسرائيل. لكن الأكيد أن ميزان العدالة عند "نوبل" أو غيرها أصبح مختلاً بما فيه الكفاية، مما يتيح للعرب والمسلمين وغيرهم مساحة شك مستحق، لحق لا يراد به سوى الباطل.