في ذكرى طوفان الأقصى.. ملامح باهتة لعالم متغير

| سليم مصطفى بودبوس

بعد‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭ ‬تغيّر‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬واتضح‭ ‬كلّ‭ ‬شيء،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬واضحا‭ ‬منذ‭ ‬سنين،‭ ‬لكنه‭ ‬الآن‭ ‬وعلى‭ ‬العلن‭ ‬ازداد‭ ‬وضوحا،‭ ‬فاللحظة‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬فيها‭ ‬حركة‭ ‬حماس‭ ‬هجومها‭ ‬على‭ ‬المستوطنين‭ ‬وبعض‭ ‬المواقع‭ ‬العسكرية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المحتلة‭ ‬منذ‭ ‬سنة،‭ ‬قد‭ ‬سجلها‭ ‬التاريخ‭ ‬صدمة‭ ‬هزّت‭ ‬عرش‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬الجديد،‭ ‬وانقلب‭ ‬فيها‭ ‬العالم‭ ‬رأساً‭ ‬على‭ ‬عقب،‭ ‬حتى‭ ‬لكأنها‭ ‬تعادل‭ ‬الرجات‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬السياسي‭. ‬إنّ‭ ‬هجوم‭ ‬السّابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023،‭ ‬وبعد‭ ‬سنة‭ ‬كاملة،‭ ‬في‭ ‬رأي‭ ‬بعض‭ ‬المحللين،‭ ‬تجاوزت‭ ‬آثاره‭ ‬حرب‭ ‬الأيّام‭ ‬الستة‭ ‬في‭ ‬1967،‭ ‬وحرب‭ ‬1973‭ ‬بل‭ ‬وحتّى‭ ‬أحداث‭ ‬11‭ ‬سبتمبر‭ ‬2011‭. ‬وأنّ‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬سيظلّ‭ ‬عالقا‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬العالم،‭ ‬مفصلا‭ ‬تاريخيا‭. ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬اطمأنّ‭ ‬الكيان‭ ‬لوجوده‭ ‬وانحسر‭ ‬فعل‭ ‬المقاومة‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬ردّ‭ ‬الفعل‭ ‬على‭ ‬العدوان‭ ‬هنا‭ ‬أو‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬فلسطين،‭ ‬جاء‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭ ‬ليدشن‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬هي‭ ‬مرحلة‭ ‬المبادرة‭ ‬والمباغتة‭ ‬والهجوم،‭ ‬مرحلة‭ ‬تذكير‭ ‬الكيان‭ ‬بأنه‭ ‬لم‭ ‬ولن‭ ‬يهنأ‭ ‬بالأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬دون‭ ‬حل‭ ‬عادل‭ ‬يرضي‭ ‬الطرفين‭.‬

ومن‭ ‬آثار‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬أيضا‭ ‬انحسار‭ ‬واضح‭ ‬لعبارة‭ ‬الصراع‭ ‬العربي‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬واختزالها‭ ‬عمليا‭ ‬في‭ ‬عبارة‭ ‬الصراع‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬ولربّما‭ ‬يختزلها‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬حماس‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الرأي‭ ‬مغالاة؛‭ ‬فالصراع‭ ‬امتد‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربيّة،‭ ‬لأنّ‭ ‬ما‭ ‬يشنّه‭ ‬الكيان‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬إبادة‭ ‬للفلسطينيّ‭ ‬حيثما‭ ‬وجد‭ ‬صغيرا‭ ‬أو‭ ‬كبيرا‭ ‬رجلا‭ ‬أو‭ ‬امرأة‭ ‬عجوزا‭ ‬أو‭ ‬شابا‭. ‬ومن‭ ‬آثار‭ ‬هذا‭ ‬الهجوم،‭ ‬وما‭ ‬تلاه‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬365‭ ‬يوما‭ ‬إن‭ ‬صحّت‭ ‬العبارة،‭ ‬انهيار‭ ‬مقولة‭ ‬الجيش‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقهر،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬قُهِرَ‭ ‬وذُلّ‭ ‬أشدّ‭ ‬الإذلال‭ ‬بالرغم‭ ‬مما‭ ‬يملكه‭ ‬من‭ ‬ترسانة‭ ‬الأسلحة‭ ‬المتطورة‭ ‬والمساندة‭ ‬الأميركية‭ ‬الغربية‭ ‬اللامشروطة،‭ ‬وفشل‭ ‬في‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬المقاومة‭ ‬حماس،‭ ‬بل‭ ‬أشعل‭ ‬المنطقة‭ ‬كلها‭ ‬ودخلت‭ ‬لبنان‭ ‬واليمن‭ ‬وبعض‭ ‬الفصائل‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬على‭ ‬الخط،‭ ‬ثم‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬إيران‭ ‬ليصبح‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬على‭ ‬صفيح‭ ‬ساخن،‭ ‬ملامحه‭ ‬باهتة‭ ‬ولا‭ ‬يعلم‭ ‬مستقرّه‭ ‬إلا‭ ‬الله‭.‬‭ ‬

ومن‭ ‬آثار‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬ظهور‭ ‬الوجه‭ ‬الحقيقي‭ ‬للغرب‭ ‬الاستعماري؛‭ ‬فلقد‭ ‬شاهد‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬العلن‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تُبقِ‭ ‬آلة‭ ‬الحرب‭ ‬الصهيونية‭ ‬ولم‭ ‬تَذَر،‭ ‬وفاقت‭ ‬في‭ ‬جرائمها‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬في‭ ‬البوسنة‭ ‬والعراق‭ ‬وأوكرانيا‭ ‬وسوريا‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬إذا‭ ‬قارنا‭ ‬بين‭ ‬رقعة‭ ‬الحرب‭ ‬وعدد‭ ‬المدنيين‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحروب‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬محاصرة‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬الجهات‭ ‬مساحتها‭ ‬365‭ ‬كلم‭ ‬مربع‭ ‬وعدد‭ ‬سكانها‭ ‬2‭.‬5‭ ‬مليون‭ ‬هي‭ ‬غزة‭.. ‬ولم‭ ‬يستطع‭ ‬هذا‭ ‬الغرب‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬إسرائيل‭ ‬أو‭ ‬لجمها‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬صنيعته‭.‬

بذلك‭ ‬يذهب‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬المجهول‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬انهارت‭ ‬مقولات‭ ‬عديدة‭ ‬كالسلام‭ ‬العادل،‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وحقوق‭ ‬الطفل‭ ‬وقرارات‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬ومواثيقه‭ ‬التي‭ ‬يمزقها‭ ‬الصهيوني‭ ‬أمام‭ ‬الملأ‭ ‬دون‭ ‬خوف‭ ‬أو‭ ‬محاسبة‭.. ‬بل‭ ‬قد‭ ‬تبيّن‭ ‬أنّ‭ ‬تلك‭ ‬المبادئ‭ ‬التي‭ ‬تفنّن‭ ‬الغرب‭ ‬في‭ ‬صياغتها‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود‭ ‬هي‭ ‬سيف‭ ‬على‭ ‬رقاب‭ ‬كلّ‭ ‬من‭ ‬تسوّل‭ ‬له‭ ‬نفسه‭ ‬أن‭ ‬يتحرر‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬الجديد،‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الجديد‭. ‬