سيكولوجية “الفواتح” السنية والشيعية
| علوي الموسوي
إذا كنت فقيرا، فحاول ألا تموت، فأنت لا تعلم أي مشكلة ستورثها لعائلتك بسبب ما ستعانيه من مصاريف مستحدثة أصبحت ظاهرة، تحت مسمى مراسم الفاتحة والجنازة.. أكتب هذا مجازا بعد أن استشرت ظاهرة جديدة لدى الشارع الجعفري في البحرين، إذ وصل متوسط فواتير “الفواتح” (مصاريف الجنازة والمراسم بعدها) لحد 1500 دينار. وللأسف أن هذه الظاهرة بصحة جيدة وتمتد وتتمدد، وهي شديدة العدوى، وبدأت تصيب العديد من العوائل في القرى والمدن، وفي ظل استمرار استنزاف جيوب مقيمي الفواتح، تغيب العقاقير الاجتماعية اللازمة لوقف ومعالجة هذه الظاهرة. بالطبع نحن لسنا ضد إقامة مراسم الفواتح، والتي تستمر في الأعراف البحرينية لمدة 3 أيام للرجال و4 للنساء، لكننا ضد هذه الظاهرة المتمثلة في الأجور التي تتقاضاها بعض الخطيبات (الملايات) في مجالس الفواتح، التي تقيمها النساء، والتي وصلت إلى ما بين 500 و800 دينار، يدفعها أهل الفقيد لإقامتها مجالس بواقع 6 ساعات مجتمعة طيلة 4 أيام! وللأسف فإن هؤلاء الخطيبات عليهن طلب منقطع النظير بين العوائل، وأصبحت الحالة تمثل نوعا من “البرستيج” في واحد من أبرز أمراض المجتمع. أضف إلى ذلك مصاريف أخرى كالولائم للجانبين، الرجالي والنسائي، في الغالب غداء وعشاء، ومجالس الرجال، ومصاريف الضيافة للجانبين، والقراء، والخدمات والتنظيف، وكل هذا مجتمعا يقفز بفواتير إقامة المراسيم إلى أرقام منقطعة النظير، إذ اختفى بصورة واضحة من يقومون بالعمل التطوعي في إقامة مثل هذه الفعاليات المجتمعية. وتقوم الهيئة العامة للتأمين الاجتماعي بصرف مصاريف للجنازة للمؤمن عليهم، إذ وفقا للقانون تصرف 3 معاشات (من دون علاوة دعم المتقاعدين) للمتوفين من العاملين في القطاع الخاص، بما لا يقل عن 500 دينار، وبالنسبة للمتوفين من العاملين في القطاع العام، يتم صرف الراتب الأخير مع العلاوة الاجتماعية، أو يصرف له 3 معاشات مع علاوة اجتماعية. ولكن ما يتم صرفه من قبل الهيئة اليوم لا يكفي نصف مصاريف الجنازة إذا تحدثنا عن الجانب الجعفري. وعند الحديث عن الجانب السني، فالأمر سيان في أيام انعقاد مراسم الفاتحة وهي 3 أيام، ولكن عوائل الطائفة السنية الكريمة تقوم بعقد الفواتح (الخلف) في الصالات الخاصة بالمناسبات التابعة للمساجد بشكل عام، ولديها مصاريف تتعلق بالضيافة والأمر كذلك بالنسبة للنساء، وبالنسبة لأسعار الضيافة فهي تقع ما بين 100 دينار و400 دينار فقط، وعلى الغالب لا يوجد مصاريف للولائم إلا ما ندر. نعلم أن لكل طائفة كريمة في البحرين أعرافها في إقامة هذه المناسبات، لكن يجب أن تكون مصاريف الجنازة كالخبز في يد جميع الناس، وألا تتحوّل مثل هذه المناسبات كسوق مفتوحة للعرض والطب، والتكسب وفرض آخر صرعات “البرستيج” في إقامتها؛ لأن قواعد “البرستيج” تصبح مع الأيام أصفادا مجتمعية يصعب فكها.