الصحافة.. مستقبل المستقبل
| أسامة مهران
أشعر أن المنطق بات مقلوبًا، وطبائع الأشياء صارت شواذ لها، المنطق يقول إنه لا يصح إلا الصحيح، في حين أن التخلي بطيب خاطر عن الصحيح أصبح قاب قوسين أو أدنى من كابوس يومي يقلق منامنا كصحافيين، ويوجع قلوبنا كأصحاب حق، وفرسان حقيقة. كل يوم نسمع عن أزمة تعاني منها الصحافة الورقية العربية، ومع مطلع كل شمس نقرأ أخبارًا عن تقليص صفحات، وحذف أسماء. وكل يوم يأتي إلينا من لم تكن يده في النار، ليتخذ قرارًا بالإعلان عن إغلاق مطبوعة، أو تقديم واجب العزاء في فقيد كان يعمل في الصحافة لكنه فقد وظيفته إلى الأبد، وكل يوم ربما نجد برنامجًا شهيًا وقد فقد النطق ولم تعد هناك جدوى لإعادته مرة أخرى إلى الكلام. حالات عربية وليست غربية، حالات لا تحدث إلا في بلادنا حيث جفت الأقلام وتمزقت الصحف، وحيث انحشرت “الميديا” في “السوشال” وليس في القانوني المؤثر منها. قبل أيام خرج علينا أحد الإعلاميين العرب وهو يتحدث عن صحيفة “ذي تايمز” اللندنية الجادة وهو يتصفحها بفخر، 120 صفحة من القطع التابلويد وهي غنية بالإعلانات، مدججة بالدعاية، وبها جميع الخدمات التي تهم القارئ، تاجرًا أو مستهلكًا، مواطنًا عاديًا أو مسؤولاً افتراضيًا، خرج علينا الإعلامي الشهير وهو يتحدث عن كيفية بقاء “الورقي” على قيد الحياة في عاصمة الحريات “لندن”، وكيف أن الصحف الورقية حافظت على مكانتها وسط كل ما هو إلكتروني في عالمنا. حتى القراءات في الميترو والقطار والأوتوبيس “ذي الطابقين”، كلها أصبحت ورقية، الصحف والكتب والمجلات، المنشورات الدعائية كلها مازالت ورقية، لم يتحدث أحد عن أزمة ورق، ولا ارتفاع تكلفة أحبار، ولا أعباء مالية ثقيلة الدم نظرًا لرواتب الصحافيين المرتفعة وحياتهم المخملية الوثيرة.
لم يشكُ بريطاني من أزمة مالية يواجهها “ماردوخ” صاحب الديلي تليجراف، ولا صاحب الجارديان، ولا مالك الفايننشال تايمز أو مالكو الديلي ميرور أو غيرهم، لم نسمع أن صحافيًا يشكو من العوز ولا فقدان راتبه التقاعدي، ولا مكافآت حواراته في الصحافة اليومية التقليدية. الشكوى فقط في الدول العربية التي استبدلت فيها المهنية بالوظيفة، والمهارة بعدد ساعات العمل، والكفاءة والتأثر بالحشو غير المبرمج، وغير المدروس، بل والممل. دمروا “المحتوى” الورقي وذهبوا به إلى “السوشال ميديا”، وفي النهاية يقولون: هي “السوشال ميديا”، استغنوا عن الكفاءات وأحالوهم إلى التقاعد المبكر، ثم عادوا يصرخون متهمين الأجيال الجديدة بأنها تكره “الورقي” وتعشق “الإلكتروني”، لأنه أسهل وأكثر جاذبية وأرخص، ويأتي إلى الناس على أسرتهم وأرائكهم من دون البحث عن مطبوعة نادرة، أو كتاب “موقوف عن العمل”، أو مجلة لم يطبع منها سوى عدد محدود تخفيضًا للتكاليف. القضية عويصة.. نعم، والمعضلة في التعاطي مع كل ما هو مقروء أو مطبوع تكمن في حالة نفسية أصابت “البعض” تجاه كل ما هو ورقي، ربما هي التقليعة أو الموضة، وربما هو التباهي بالسباحة في سحابات الثقافة الجديدة، وخوارزميات القراءات عبر الهواتف الذكية، لكن الأكيد أن هناك خللاً إقليميًا وتفوقًا غربيًا، خللا إقليميا في التعاطي مع كل ما هو يرتبط بالقيمة، بالإنتاجية، بالأثر والتأثير، هو نفسه الذي زج بنا إلى التراجع في إنتاج التكنولوجيا رغم استهلاكنا لها، وهو نفسه السبب الذي أدى إلى تفوق الغرب ورقيًا وتكنولوجيًا وبهدوء وصمت، وتصفح لـ “ذي تايمز” و “الصن”، و “الجارديان” و “الفايننشال تايمز”، وما خفي أعظم.
كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية