اعتزال التفاهة والتافهين
| كمال الذيب
عالم التفاهة القائم على الادعاء والوصولية والزيف والسطحية من شأنه أن يدفع إلى تفضيل العزلة والانزواء بعيدًا عن الضجيج الذي يشوّش الرؤية ويفسد العقل والروح معا، بحثا عن لحظة أمل وتأمل بعيدا عن تداعيات هذا السائد في حياتنا. وهذا ما جعل البعض يفضل الابتعاد عن هذا العالم وينأى بنفسه عن ضجيجه الأجوف على حد تعبير الكاتب الفرنسي كلود جوليان، فيفضل الهروب من عالم المتاجرة والمزايدة والنفاق والكذب والزيف. ويعزز هذا التوجه نحو اعتزال التفاهة والتافهين الكاتب الكندي ألان دونو في كتابه (نظام التفاهة)، بالتخويف من نظام التفاهة الذي أفسد كل شيء تقريبا، ولم يُبق على أي أمر قيم في حياتنا. فعند مطالعة فصول هذا الكتاب الموجع نجد أنفسنا نستكمل الصورة بالتطبيق على مشاهد وأشخاص نعرفهم وصور من الواقع نحياها، فنعلق “إيه والله”. فقد أصبحنا حسب دونو “نعيش مرحلة تاريخية غير مسبوقة، تتعلق بسيادة نظام، أدى تدريجيًا، إلى سيطرة التافهين على العالم... حيث نلحظ صعودًا للرداءة والانحطاط، فتدهورت متطلبات الجودة، وغُيّب الأداء الرفيع، وهُمشت منظومات القيم وأُبعد الأكفاء، وتسيّدت شريحة كاملة من التافهين، والجاهلين”. إن ثقافة التفاهة ونمط حياة التفاهة وإعلام التفاهة وفنون التفاهة وروايات التفاهة وشعر التفاهة، وصرعات التفاهة، أصبحت تخترق حياتنا وتحاصرنا في كل المجالات تقريبا، حيث أصبح التافهون يتصدرون المشهد، ويديرون مفاصله. وبدا وكأن الهدف النهائي من ذلك هو إسباغ التفاهة على كل شيء ومنحه قيمة اقتصادية أو ثقافية، استنادًا إلى منطق الأغلبية، بالتركيز على البهرجة والابتذال والسخافات في الفضاء الإلكتروني. وتكمن خطورة هذا الأمر في سهولة تحقيقه عبر الصوت والصورة من دون حدود أو غربلة، والانشغال بالتفاصيل اليومية القشرية. إن ضغط عالم التفاهة علينا يورث في النفس وجعًا، بما يتسبب فيه من تسطيح للحياة وتجريدها من أي عمق، بما يفتك بإنسانية الإنسان ويجعل العزلة خيارا في مواجهته. وليس هذا الخيار تحريضا على الإحباط واليأس في مواجهة نظام التفاهة والتافهين، لكنه قد يكون رهانا على ما بقي من الوعي الحر اليقظ الذي يمكنه وحده اختراق التفاهة وقلبها على رأسها وفضحها صورة ومعنى. كاتب وإعلامي بحريني