كلماتٌ بلا مفعول!

| د. جاسم المحاري

قد‭ ‬تسرد‭ ‬في‭ ‬قوائم‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭ ‬لها،‭ ‬منها‭ ‬مثالًا‭ ‬لا‭ ‬حصرًا‭ ‬“سندرسها”‭ ‬و‭ ‬“سنبحثها”‭ ‬و‭ ‬“سنجتمع‭ ‬لأجلها”‭ ‬و‭ ‬“سنخاطب‭ ‬بشأنها”‭ ‬و‭ ‬“سنتدبر‭ ‬أمرها”‭ ‬و‭ ‬“سنتخذ‭ ‬إجراء‭ ‬ضدها”‭ ‬و‭ ‬“أمرها‭ ‬بسيط”‭ ‬و‭ ‬“حلها‭ ‬قريب”،‭ ‬وهكذا‭ ‬دواليك،‭ ‬فما‭ ‬أهون‭ ‬على‭ ‬مطلقها‭ ‬الذي‭ ‬تريحه‭ ‬عن‭ ‬بذل‭ ‬المجهود‭ ‬وتجنب‭ ‬الالتزام‭ ‬بالتنفيذ،‭ ‬فتنسخ‭ ‬بعضها‭ ‬نسخًا‭ ‬محكمًا‭ ‬وتكرر‭ ‬ذاتها‭ ‬تكرارًا‭ ‬مملًا،‭ ‬فلا‭ ‬هي‭ ‬تحظى‭ ‬بموافقة‭ ‬السواد‭ ‬الأعظم‭ ‬من‭ ‬الناس،‭ ‬ولا‭ ‬هي‭ ‬متقبلة‭ ‬آذان‭ ‬سامعيها‭ ‬لثقلها‭ ‬وسماجة‭ ‬فحواها‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬يبتغي‭ ‬لمطلقها‭ ‬–‭ ‬نصحًا‭ ‬له‭ - ‬بذل‭ ‬أي‭ ‬جهد‭ ‬إضافي‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬بديل‭ ‬ناجع‭ ‬لها‭. ‬فهي‭ ‬تبدو‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬أن‭ ‬مطلِقِيها‭ ‬أناس‭ ‬فصحاء‭ ‬يمتلكون‭ ‬فنون‭ ‬التعبير‭ ‬وحرفية‭ ‬الخطابة‭ ‬حتى‭ ‬يتكشف‭ ‬أنهم‭ ‬لا‭ ‬يمتون‭ ‬للفصاحة‭ ‬أو‭ ‬البراعة‭ ‬بصلة؛‭ ‬لعلة‭ ‬أنهم‭ ‬يرددون‭ ‬عبارات‭ ‬يجب‭ ‬قولها‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬معينة،‭ ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬اختلفت‭ ‬الظروف‭ ‬انقلبوا‭ ‬على‭ ‬أعقابهم،‭ ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬دعوتهم‭ ‬لإيجاد‭ ‬الحلول‭ ‬تملصوا‭ ‬بالذرائع‭ ‬وفقدوا‭ ‬صوابهم‭!‬

هنا‭ ‬تستحضر‭ ‬بقوة‭ ‬حادثة‭ ‬“العصافير‭ ‬الأربعة”‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬على‭ ‬غصن‭ ‬الشجرة،‭ ‬حين‭ ‬سأل‭ ‬فيها‭ ‬المحاضر‭ ‬متعلميه‭: ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬أربعة‭ ‬عصافير‭ ‬على‭ ‬الشجرة،‭ ‬وقرر‭ ‬ثلاثة‭ ‬منها‭ ‬الطيران،‭ ‬فكم‭ ‬عصفورًا‭ ‬بقي‭ ‬على‭ ‬الشجرة؟‭ ‬ليجيب‭ ‬الجميع‭: ‬“واحد”،‭ ‬باستثناء‭ ‬زميلهم‭ ‬الذي‭ ‬غايرهم‭ ‬بقوله‭: ‬بقي‭ ‬أربعة‭ ‬عصافير‭. ‬فكان‭ ‬الانبهار‭! ‬فسأله‭ ‬المحاضر‭: ‬وكيف‭ ‬ذلك؟‭ ‬فقال‭ ‬المتعلم‭: ‬لقد‭ ‬قلت‭ ‬“قرروا”،‭ ‬ولم‭ ‬تقل‭ ‬“طاروا”،‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬تنفيذه‭. ‬وكانت‭ ‬هي‭ ‬الإجابة‭ ‬الصحيحة‭ ‬التي‭ ‬فرقت‭ ‬بين‭ ‬القول‭ ‬والفعل،‭ ‬وبين‭ ‬أن‭ ‬تقرر‭ ‬شيئا‭ ‬وأن‭ ‬تفعل‭ ‬شيئا‭ ‬آخر‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الشعارات‭ ‬الزائفة‭ ‬والكلمات‭ ‬الرنانة‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬أصحابها‭ ‬نجومًا‭ ‬ورقيين،‭ ‬يتجافون‭ ‬ترسيخ‭ ‬النجاح‭ ‬وأهميته‭ ‬باتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬التشاركية‭ ‬مع‭ ‬المجموع‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬الذي‭ ‬يشكل‭ ‬العامل‭ ‬الرئيس‭ ‬في‭ ‬الإدارة‭ ‬الصائبة،‭ ‬والنجاح‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬البدائل‭ ‬السليمة‭ ‬وجني‭ ‬الفوائد‭ ‬الرابحة‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭. ‬

نافلة‭:‬

الكثير‭ ‬من‭ ‬الاحتياجات‭ ‬والمتطلبات‭ ‬–‭ ‬ولاسيما‭ ‬المعيشية‭ ‬الملحة‭ ‬من‭ ‬حولنا‭ ‬–‭ ‬تستدعي‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬حلول‭ ‬جذرية‭ ‬تنفذها‭. ‬“

وإلى‭ ‬أيادٍ‭ ‬مهنية‭ ‬تصونها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تقتطع‭ ‬من‭ ‬وقتها‭ ‬دراسة‭ ‬الوضع‭ ‬القائم‭ ‬برمته،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تخطط‭ ‬وتفصل‭ ‬الحلول‭ ‬الشافية‭ ‬لاختيار‭ ‬الأفضل‭ ‬منها‭ ‬وسط‭ ‬أجواء‭ ‬من‭ ‬المهنية‭ ‬العالية‭ ‬والقيادة‭ ‬الجماعية‭ ‬والتشبيك‭ ‬الثابت‭ ‬والعمل‭ ‬الدؤوب‭ ‬الذي‭ ‬يكسب‭ ‬الثقة‭ ‬ويصل‭ ‬إلى‭ ‬حل‭ ‬المشكلة‭ ‬من‭ ‬لبها‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الخطابات‭ ‬النارية‭ ‬والشعارات‭ ‬الرنانة‭ ‬التي‭ ‬بات‭ ‬مكانها‭ ‬الرف‭ ‬وعهدها‭ ‬الذي‭ ‬ولى‭ ‬إلى‭ ‬غير‭ ‬رجعة‭ ‬جراء‭ ‬هزيمة‭ ‬منكرة‭ ‬لدعاة‭ ‬التصلب‭ ‬الفكري‭ ‬الذين‭ ‬يصدون‭ ‬أية‭ ‬أطروحة‭ ‬نافعة‭ ‬أو‭ ‬ينكرون‭ ‬أية‭ ‬آلية‭ ‬جديدة‭ ‬لنمو‭ ‬مجتمعاتهم‭ ‬وازدهارها‭.‬

 

*كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني