بالصدق أم بالكذب!

| أسامة مهران

بالصدق‭ ‬وحده‭ ‬يصدقني‭ ‬الناس،‭ ‬أم‭ ‬بالكذب‭ ‬الأبيض‭ ‬لا‭ ‬يصدقونني؟‭ ‬سؤال‭ ‬أثاره‭ ‬مسرح‭ ‬الجامعة‭ ‬الأهلية،‭ ‬وإجابة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬صريحة‭ ‬قدمها‭ ‬المخرج‭ ‬البحريني‭ ‬الكبير‭ ‬بسام‭ ‬الذوادي،‭ ‬فاجأ‭ ‬الحضور‭ ‬بقوله‭ ‬لا‭ ‬تصدقوا‭ ‬فنانًا،‭ ‬فإنه‭ ‬يهيم‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الخيال‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع،‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يقدمه‭ ‬من‭ ‬صنع‭ ‬اللامعقول،‭ ‬ونحن‭ ‬نعيش‭ ‬المعقول‭ ‬بعينه‭.‬

رغم‭ ‬المفاجأة‭ ‬ورغم‭ ‬المعاناة‭ ‬التي‭ ‬يتكبدها‭ ‬بسام‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬يدافع‭ ‬عن‭ ‬وجهة‭ ‬نظره،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬القاعدة‭ ‬الذهبية‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الفن‭ ‬والإثارة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الصدق‭ ‬الشديد‭ ‬مع‭ ‬النفس،‭ ‬أن‭ ‬يصدق‭ ‬الفنان‭ ‬نفسه‭ ‬وهو‭ ‬يتقمص‭ ‬دورا‭.. ‬أي‭ ‬دور،‭ ‬عندئذ‭ ‬سيصدقه‭ ‬الناس،‭ ‬وعندئذ‭ ‬سيصبح‭ ‬فنانًا‭ ‬مؤثرًا،‭ ‬ومؤديًا‭ ‬عبقريًا،‭ ‬وعندئذ‭ ‬يتحدث‭ ‬البعض‭ ‬حول‭ ‬المحور‭ ‬الثالث‭ ‬المُختلَف‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المنتدى‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬تدشين‭ ‬جائزة‭ ‬جائزة‭ ‬المواهب‭ ‬الإعلامية،‭ ‬وهي‭ ‬جائزة‭ ‬تم‭ ‬إيقاد‭ ‬شعلتها‭ ‬من‭ ‬حرم‭ ‬الجامعة‭ ‬الأهلية،‭ ‬وهي‭ ‬حالة‭ ‬تريد‭ ‬“الأهلية”‭ ‬إحالتها‭ ‬للتعاطي‭ ‬بين‭ ‬الناس،‭ ‬ليصبح‭ ‬الفن‭ ‬للمجتمع‭ ‬وليس‭ ‬الفن‭ ‬للفن‭. ‬وبالفعل‭ ‬وفي‭ ‬فسحة‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬العميق،‭ ‬ومناسبة‭ ‬لم‭ ‬تخطئ‭ ‬أهدافها‭ ‬ولم‭ ‬تضل‭ ‬غايتها‭ ‬المنشودة،‭ ‬تم‭ ‬إطلاق‭ ‬الجائزة‭ ‬تمامًا‭ ‬مثلما‭ ‬تم‭ ‬الترويج‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بسام‭ ‬الذوادي،‭ ‬وفنانة‭ ‬“البيت‭ ‬العود”‭ ‬ماجدة‭ ‬سلطان،‭ ‬والمسرحي‭ ‬والمخرج‭ ‬الشاب‭ ‬الموهوب‭ ‬عبدالله‭ ‬الدرزي‭.‬

أخيرًا‭ ‬نجحنا‭ ‬في‭ ‬إرضاء‭ ‬جميع‭ ‬الأذواق،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬إرضاء‭ ‬كل‭ ‬الناس‭ ‬غاية‭ ‬لا‭ ‬تُدرَك،‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬جميع‭ ‬الأهداف‭ ‬قد‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬سابع‭ ‬المستحيلات،‭ ‬ومن‭ ‬آخر‭ ‬المُمْكِنات،‭ ‬فلا‭ ‬هدف‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬عقبات،‭ ‬ولا‭ ‬غاية‭ ‬لا‭ ‬تبررها‭ ‬وسيلة،‭ ‬هكذا‭ ‬يقول‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الإيطالي‭ ‬نيكولو‭ ‬ميكافيلي،‭ ‬رغم‭ ‬ذلك‭ ‬أصبح‭ ‬الفن‭ ‬عصيبًا‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬إعلام‭ ‬المنصات،‭ ‬وفي‭ ‬ألفية‭ ‬المُمْكِنات‭ ‬المستحيلات،‭ ‬نعم‭.. ‬إنه‭ ‬الصدق‭ ‬الشديد‭ ‬الذي‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬الكذب‭ ‬الأشد،‭ ‬والكذب‭ ‬الأشد‭ ‬الذي‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬الصدق‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬مفر‭ ‬من‭ ‬التصادم‭ ‬بين‭ ‬كل‭ ‬الأطراف‭.

حتى‭ ‬تظهر‭ ‬الحقيقة‭ ‬وكأنها‭ ‬مشهد‭ ‬بانورامي‭ ‬بديع،‭ ‬كل‭ ‬فنان‭ ‬يقول‭ ‬فيه‭ ‬الصدق،‭ ‬وكل‭ ‬متلق‭ ‬يأخذه‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬الاحتمالات،‭ ‬صدق‭ ‬أم‭ ‬كذب‭ ‬لا‭ ‬يهم،‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬التقمص‭ ‬صادقًا،‭ ‬والتشبث‭ ‬وثيقًا،‭ ‬والإصرار‭ ‬على‭ ‬الفن‭ ‬هو‭ ‬مربط‭ ‬الفرس‭.‬

فعالية‭ ‬“الأهلية”‭ ‬انتهت،‭ ‬وذهب‭ ‬كل‭ ‬فنان‭ ‬إلى‭ ‬حال‭ ‬سبيله،‭ ‬ولم‭ ‬يذهب‭ ‬ما‭ ‬أثاره‭ ‬الحضور‭ ‬من‭ ‬أسئلة‭ ‬أدراج‭ ‬الرياح،‭ ‬فمازلنا‭ ‬نفكر‭ ‬ونفكر،‭ ‬ومازال‭ ‬ضحايا‭ ‬الأطروحات‭ ‬الناضجة‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬صعوبة‭ ‬التلقي‭ ‬للنصوص‭ ‬السينمائية‭ ‬المُختلَف‭ ‬عليها،‭ ‬ومازال‭ ‬الصدق‭ ‬أو‭ ‬الكذب‭ ‬الذي‭ ‬يتشبث‭ ‬به‭ ‬بسام‭ ‬الذوادي‭ ‬كاميرا‭ ‬ثلاثية‭ ‬الأبعاد،‭ ‬أحدها‭ ‬يمثل‭ ‬الـ‭ ‬“أنا”‭ ‬المفرطة،‭ ‬والثاني‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬الآخر‭ ‬المُختلِف،‭ ‬والأخير‭ ‬على‭ ‬المجموع‭ ‬أينما‭ ‬كان‭ ‬وأينما‭ ‬حل‭.‬