الأمراض النفسية المتوارثة!

| نجلاء الفاضل

حتى‭ ‬وقت‭ ‬ليس‭ ‬طويلا‭ ‬اعتُبرت‭ ‬الأمراض‭ ‬والاضطرابات‭ ‬النفسية‭ ‬في‭ ‬ثقافتنا‭ ‬العربية‭ ‬أنها‭ ‬من‭ ‬المحظورات‭! ‬وأن‭ ‬من‭ ‬يعاني‭ ‬منها‭ ‬يخشى‭ ‬تلقي‭ ‬العلاج‭ ‬المناسب‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬تصنيفه‭ ‬بأنه‭ ‬مجنون‭! ‬وذلك‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تفاقم‭ ‬المشكلة‭ ‬وانتشار‭ ‬هذه‭ ‬الأمراض‭ ‬والاضطرابات‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬الاهتمام‭ ‬اللازم‭ ‬بالصحة‭ ‬النفسية‭ ‬والذهنية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬الجهات‭ ‬التعليمية‭ ‬وجهات‭ ‬العمل،‭ ‬عكس‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬تولي‭ ‬اهتمامًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬بهذا‭ ‬الجانب‭. ‬وبحسب‭ ‬الدراسات‭ ‬وعلم‭ ‬الميتاهيلث‭ ‬الألماني‭ ‬فإن‭ ‬الأمراض‭ ‬العضوية‭ ‬التي‭ ‬تصيب‭ ‬الجسم‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬نتيجة‭ ‬المشاعر‭ ‬والأفكار‭ ‬السلبية‭ ‬والاضطرابات‭ ‬النفسية‭ ‬التي‭ ‬تحدث‭ ‬للإنسان،‭ ‬وفي‭ ‬دراسة‭ ‬قامت‭ ‬بها‭ ‬كلية‭ ‬الطب‭ ‬بجامعة‭ ‬سان‭ ‬فرانسيسكو‭ ‬توصلت‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬95‭ % ‬من‭ ‬الأمراض‭ ‬يعود‭ ‬سببها‭ ‬إلى‭ ‬العقل‭ ‬والتفكير‭ ‬السلبي‭.‬

وفي‭ ‬إطار‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬من‭ ‬تنمر‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬والجهات‭ ‬التعليمية،‭ ‬وعدم‭ ‬وجود‭ ‬مناهج‭ ‬دراسية‭ ‬تعنى‭ ‬بالصحة‭ ‬الذهنية‭ ‬والنفسية‭ ‬في‭ ‬المدارس،‭ ‬يتخرج‭ ‬الطلبة‭ ‬من‭ ‬المدرسة‭ ‬حاملين‭ ‬معهم‭ ‬صدماتهم‭ ‬النفسية،‭ ‬جاهلين‭ ‬كيفية‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬مشاعرهم‭ ‬وأفكارهم‭ ‬السلبية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬ينقلونها‭ ‬لمن‭ ‬حولهم،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬الوعي‭ ‬الكافي‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الاضطرابات‭ ‬بطريقة‭ ‬صحية‭. ‬وبسبب‭ ‬غياب‭ ‬الوعي‭ ‬أيضًا‭ ‬بالصحة‭ ‬النفسية‭ ‬والذهنية‭ ‬في‭ ‬جهات‭ ‬العمل،‭ ‬واعتبارها‭ ‬من‭ ‬الرفاهيات‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تأثيرها‭ ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬الأداء‭ ‬الوظيفي‭ ‬والإنتاجية،‭ ‬فهناك‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬النماذج‭ ‬التي‭ ‬نراها‭ ‬في‭ ‬جهات‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬المرضى‭ ‬النفسيين‭ ‬الذين‭ ‬يورثون‭ ‬أمراضهم‭ ‬للأجيال‭ ‬الأخرى‭! ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬الموظف‭ ‬الذي‭ ‬تعرض‭ ‬لأذى‭ ‬نفسي‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬مسؤوله‭ ‬أو‭ ‬زميله‭ ‬الذي‭ ‬تعرض‭ ‬قبله‭ ‬لأذى‭ ‬نفسي‭ ‬من‭ ‬آخر،‭ ‬سيكرر‭ ‬الموضوع‭ ‬لاعتقاده‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الوضع‭ ‬الطبيعي‭ ‬للعمل‭ ‬أو‭ ‬لأن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬معي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬معك‭! ‬وبذلك‭ ‬فإننا‭ ‬ندور‭ ‬في‭ ‬حلقة‭ ‬مفرغة‭ ‬من‭ ‬الأمراض‭ ‬والاضطرابات‭ ‬النفسية‭ ‬المتكررة‭ ‬حتى‭ ‬يتم‭ ‬وضع‭ ‬حد‭ ‬لذلك‭!. ‬لهذا‭ ‬الموضوع‭ ‬تبعات‭ ‬خطيرة‭ ‬جدًا‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬صحة‭ ‬الفرد‭ ‬وبالتالي‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية،‭ ‬وتؤثر‭ ‬على‭ ‬الإنتاجية‭ ‬وبالتالي‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬كما‭ ‬تؤثر‭ ‬أيضًا‭ ‬على‭ ‬تنشئة‭ ‬الأجيال‭ ‬ومستقبلهم‭. ‬

ويكمن‭ ‬التساؤل‭ ‬هنا‭ ‬عن‭ ‬ماهية‭ ‬الخطوات‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية‭ ‬اتخاذها‭ ‬لحل‭ ‬هذه‭ ‬المشكلة؟‭ ‬هل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وضع‭ ‬مناهج‭ ‬متخصصة‭ ‬في‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭ ‬والذهنية‭ ‬في‭ ‬المدارس؟‭ ‬وتشريع‭ ‬قوانين‭ ‬ملزمة‭ ‬لجهات‭ ‬العمل‭ ‬للتعاون‭ ‬مع‭ ‬مختصين‭ ‬نفسيين‭ ‬لعلاج‭ ‬الموظفين؟‭ ‬أم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تقبل‭ ‬المجتمع‭ ‬للعلاج‭ ‬النفسي‭ ‬واعتباره‭ ‬علاجًا‭ ‬يوازي‭ ‬العلاج‭ ‬الصحي‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الأهمية‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التوعية‭ ‬بأهمية‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬الذي‭ ‬يؤثر‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬الصحة‭ ‬والتي‭ ‬تعد‭ ‬أعظم‭ ‬ما‭ ‬نملك‭ ‬من‭ ‬ثروات‭.‬