مُسنّونَ في المناسبات

| د. جاسم المحاري

ذات‭ ‬مساء،‭ ‬كانا‭ ‬يُمضيان‭ ‬وقتهما‭ ‬في‭ ‬التجوال‭ ‬بإحدى‭ ‬الحدائق،‭ ‬وشاهدا‭ ‬أثناء‭ ‬تجوالهما‭ ‬رجلاً‭ ‬عجوزاً‭ ‬يركن‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬زوايا‭ ‬الحديقة‭ ‬وتبدو‭ ‬عليه‭ ‬آثار‭ ‬الضيق‭ ‬والحزن،‭ ‬فسألاه‭ ‬عن‭ ‬سبب‭ ‬ضيقه‭ ‬وحزنه،‭ ‬فقال‭ ‬لهما‭ ‬بصوت‭ ‬كئيب‭: ‬لقد‭ ‬كنتُ‭ ‬أتجوّل‭ ‬في‭ ‬الحديقة‭ ‬مثلكما،‭ ‬وكان‭ ‬فكري‭ ‬مشغولاً‭ ‬وبالي‭ ‬مهموماً،‭ ‬وما‭ ‬إنْ‭ ‬استفقت‭ ‬حتى‭ ‬وجدت‭ ‬نفسي‭ ‬تائهاً‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬أين‭ ‬أنا‭ ‬ولا‭ ‬أستطيع‭ ‬الذهاب‭ ‬لأية‭ ‬جهة؟‭ ‬فاستجمعت‭ ‬قواي‭ ‬بعدها‭ ‬لأطلب‭ ‬العون‭ ‬والمساعدة‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬الأشخاص‭ ‬غير‭ ‬أنّه‭ ‬رفض‭ ‬مساعدتي‭ ‬وهمّ‭ ‬بالذهاب‭ ‬بعيدًا‭ ‬عني‭! ‬فخشِيت‭ ‬أنْ‭ ‬أعيد‭ ‬الكرّة‭ ‬وأطلب‭ ‬المساعدة‭ ‬من‭ ‬آخرين‭. ‬وجلستُ‭ ‬أسأل‭ ‬الخالق‭ ‬الرحيم‭ ‬أن‭ ‬يُرشدني‭ ‬كي‭ ‬يُخرجني‭ ‬مما‭ ‬أنا‭ ‬فيه،‭ ‬وما‭ ‬إن‭ ‬انتهيت‭ ‬من‭ ‬التوسل‭ ‬للربّ‭ ‬العظيم‭ ‬لأجل‭ ‬إرشادي‭ ‬وإخراجي‭ ‬من‭ ‬مأزقي‭ ‬هذا‭ ‬إلا‭ ‬وأنتم‭ ‬أمامي،‭ ‬واصطحباه‭ ‬للبيت‭ ‬بسلام‭ ‬وأمان‭.‬

بطبيعة‭ ‬الحال،‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬المُحبذ‭ ‬أخلاقياً‭ ‬أو‭ ‬المستحسن‭ ‬إنسانياً‭ ‬جعل‭ ‬آبائنا‭ ‬وأُمهاتنا‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬السنّ‭ ‬“خواصر‭ ‬رخوة”‭ ‬تتحكم‭ ‬بهم‭ ‬قساوة‭ ‬الأمكنة‭ ‬وتتلاعب‭ ‬فيهم‭ ‬تحولاّت‭ ‬الأزمنة‭ - ‬وهم‭ ‬وفق‭ ‬تعريف‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬مَنْ‭ ‬تجاوز‭ ‬عمرهم‭ ‬الزمني‭ (‬60‭) ‬عاماً‭ ‬–‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬يفترض‭ ‬أنّهم‭ ‬يبقون‭ ‬أعضاء‭ ‬مهمين‭ ‬مؤثرين‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬تجمع‭ ‬بشري،‭ ‬ما‭ ‬يستوجب‭ ‬لهم‭ ‬أنْ‭ ‬يتمتعوا‭ ‬فيه‭ ‬بالعيش‭ ‬الكريم‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬اللاحقة‭ ‬بما‭ ‬يمتلكوه‭ ‬من‭ ‬مهارات‭ ‬ومعارف‭ ‬وخبرات،‭ ‬وما‭ ‬يحتاجونه‭ ‬من‭ ‬مشاعر‭ ‬الانتماء‭ ‬الخالص‭ ‬والدعم‭ ‬العاطفي‭ ‬والرعاية‭ ‬التامة‭ ‬التي‭ ‬تُجنبهم‭ ‬العزلة‭ ‬وتقيهم‭ ‬الاكتئاب‭ ‬وتُمتعهم‭ ‬بالصحة‭ ‬التامة‭ ‬وتهبهم‭ ‬الاستقلالية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وتمنحهم‭ ‬التقدير‭ ‬الجليل‭ ‬وتُعزّز‭ ‬فيهم‭ ‬الرفاهية‭ ‬العاطفية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تقاسم‭ ‬رعايتهم‭ ‬وتفهم‭ ‬حاجاتهم‭ ‬وتكرار‭ ‬زيارتهم‭ ‬واللجوء‭ ‬لخبراتهم‭ ‬التي‭ ‬تمنحهم‭ ‬الطمأنينة‭ ‬وتُجنبهم‭ ‬العزلة‭ ‬والشعور‭ ‬بالكآبة‭ ‬التي‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬تُغلّفها‭ ‬“الحُرمة‭ ‬الاجتماعية”‭ ‬مع‭ ‬الشعور‭ ‬باقتراب‭ ‬الأجل‭ ‬وسط‭ ‬أجواء‭ ‬الحياة‭ ‬بين‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭.‬

نافلة‭:‬

نقترب‭ ‬بفارق‭ ‬يومين‭ (‬الثلاثاء‭ ‬المقبل‭) ‬من‭ ‬الاحتفالية‭ ‬الأممية‭ ‬التي‭ ‬خصصتها‭ ‬المنظمة‭ ‬الدولية‭ ‬للاحتفاء‭ ‬بتكريم‭ ‬كبار‭ ‬السنّ‭ ‬في‭ ‬1‭ ‬أكتوبر‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬عام،‭ ‬والذي‭ ‬سبقها‭ ‬إليها‭ ‬نور‭ ‬الإسلام‭ ‬مُوصياً‭ ‬عليهم‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬محكم‭ ‬سوره‭ ‬وتبيان‭ ‬آياته‭. ‬

ففي‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬تُسلط‭ ‬الأضواء‭ ‬لأهميته‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬وتُعمّق‭ ‬المساعي‭ ‬ويزيد‭ ‬الوعي‭ ‬ويتعاظم‭ ‬الحثّ‭ ‬على‭ ‬تلبية‭ ‬احتياجاتهم‭ ‬الصحية‭ ‬والعقلية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والخدمية‭ ‬الأخرى‭. ‬وكم‭ ‬هو‭ ‬حرّيٌ‭ ‬بنا‭ - ‬اقتضاباً‭ - ‬الإشارة‭ ‬للصور‭ ‬الحيّة‭ ‬في‭ ‬زُقاق‭ ‬القرى‭ ‬البحرينية‭ ‬وطُرُقات‭ ‬مدنها‭ ‬اللتان‭ ‬تجلّت‭ ‬فيهما‭ ‬مظاهر‭ ‬الرعاية‭ ‬الفائقة‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬قِبَل‭ ‬اللجان‭ ‬التي‭ ‬تتشكل‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الفعاليات‭ ‬المجتمعية‭ ‬والمناسبات‭ ‬الدينية‭ ‬عرفانًا‭ ‬واعتزازًا‭ ‬بإسهاماتهم‭ ‬التي‭ ‬أجزلوا‭ ‬فيها‭ ‬العطاء‭ ‬الطويل‭ ‬لبناء‭ ‬أوطانهم‭ ‬وأسهموا‭ ‬في‭ ‬ازدهارها‭.‬

 

كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني