جريمة لا تغتفر

| زهير توفيقي

تطالعنا‭ ‬الصحف‭ ‬المحلية‭ ‬ووسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بشكل‭ ‬يومي‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬جرائم‭ ‬الغش‭ ‬والنصب‭ ‬والاحتيال،‭ ‬ولا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أخوض‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬ونوعية‭ ‬تلك‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬مجتمعنا‭ ‬البحريني‭ ‬الآمن‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭. ‬فالبحرينيون‭ ‬بطبيعتهم‭ ‬ودودون‭ ‬ومسالمون‭ ‬ويعيشون‭ ‬منذ‭ ‬الأزل‭ ‬في‭ ‬توليفة‭ ‬وتناغم،‭ ‬وكانت‭ ‬قلوبهم‭ ‬قبل‭ ‬بيوتهم‭ ‬مفتوحة‭ ‬للجميع‭. ‬أتذكر‭ ‬جيداً‭ ‬في‭ ‬طفولتي‭ ‬موقفا‭ ‬جديرا‭ ‬بالاهتمام،‭ ‬حيث‭ ‬انتشرت‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬الفترات‭ ‬بعض‭ ‬السرقات‭ ‬في‭ ‬الحارة،‭ ‬وكانت‭ ‬أبواب‭ ‬المنازل‭ ‬آنذاك‭ ‬مفتوحة‭ ‬ولا‭ ‬توجد‭ ‬هناك‭ ‬أقفال‭! ‬فقد‭ ‬طلبت‭ ‬من‭ ‬والدي‭ (‬رحمه‭ ‬الله‭) ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬بتغيير‭ ‬الباب‭ ‬واستبداله‭ ‬بالنوع‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬قفله‭ ‬بهدف‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬سلامة‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة‭ ‬من‭ ‬التعرض‭ ‬لأي‭ ‬سوء‭ ‬أو‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬أنواع‭ ‬السرقات،‭ ‬لكنني‭ ‬فوجئت‭ ‬بالرد‭ ‬من‭ ‬جانبه‭ ‬عندما‭ ‬قال‭ ‬وبكل‭ ‬ثقة‭ ‬“لا‭ ‬تخف‭ ‬يا‭ ‬بني‭ ‬فنحن‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬الأمن‭ ‬والأمان،‭ ‬وأشار‭ ‬إلى‭ ‬المسجد‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يقع‭ ‬أمام‭ ‬منزلنا‭ ‬وقال‭.. ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬المسجد‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يحمينا‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬سوء”‭. ‬تصوروا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬حصل‭ ‬لي‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬55‭ ‬عاماً‭ ‬ومازلت‭ ‬أتذكره‭ ‬إلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭.‬

مناسبة‭ ‬هذه‭ ‬المقدمة‭ ‬أنني‭ ‬قرأت‭ ‬خبرا‭ ‬نشر‭ ‬في‭ ‬الصحف‭ ‬المحلية‭ ‬بأن‭ ‬النيابة‭ ‬العامة‭ ‬ألقت‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬3‭ ‬متهمين‭ ‬من‭ ‬حملة‭ ‬حج‭ ‬مرخصة‭ ‬بينهم‭ ‬صاحب‭ ‬الحملة،‭ ‬بتهمة‭ ‬احتيالهم‭ ‬على‭ ‬حجاج‭ ‬بيت‭ ‬الله‭ ‬وتسليمهم‭ ‬تصاريح‭ ‬حج‭ ‬مزورة‭. ‬لا‭ ‬أكاد‭ ‬أصدق‭ ‬الأمر،‭ ‬وكأنني‭ ‬أقرأ‭ ‬نصا‭ ‬لقصة‭ ‬يتم‭ ‬إنتاجها‭ ‬لمسلسل‭ ‬تلفزيوني‭! ‬كيف‭ ‬وصل‭ ‬البعض‭ ‬لهذا‭ ‬المستوى،‭ ‬فقد‭ ‬كنت‭ ‬أتوقع‭ ‬أن‭ ‬أسمع‭ ‬عن‭ ‬قصص‭ ‬النصب‭ ‬والاحتيال‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المجالات‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬حملات‭ ‬حج‭ ‬بيت‭ ‬الله‭ ‬الحرام‭. ‬فكما‭ ‬هو‭ ‬معروف‭ ‬فإن‭ ‬النصب‭ ‬والاحتيال‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الجرائم‭ ‬شيوعًا‭ ‬في‭ ‬المجتمعات،‭ ‬حيث‭ ‬يستخدم‭ ‬المحتال‭ ‬الحيل‭ ‬والخداع‭ ‬لتحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬غير‭ ‬قانونية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الآخرين‭. ‬

‭ ‬والنصب‭ ‬يتضمن‭ ‬استخدام‭ ‬وسائل‭ ‬غير‭ ‬مشروعة‭ ‬مثل‭ ‬الكذب‭ ‬والتضليل‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬المال‭ ‬أو‭ ‬الممتلكات‭ ‬أو‭ ‬الخدمات‭ ‬من‭ ‬الآخرين‭ ‬دون‭ ‬نية‭ ‬حقيقية‭ ‬لتقديم‭ ‬شيء‭ ‬ذي‭ ‬قيمة‭ ‬في‭ ‬المقابل‭. ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأنواع‭ ‬الشائعة‭ ‬للنصب‭ ‬والاحتيال‭ ‬نجد‭ ‬النصب‭ ‬في‭ ‬المعاملات‭ ‬المالية‭ ‬والتجارية‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬التوظيف،‭ ‬وكذلك‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت‭.‬

وعندما‭ ‬يكون‭ ‬المحتال‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬مسؤولية،‭ ‬مثل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬رئيس‭ ‬حملة‭ ‬للحج،‭ ‬تصبح‭ ‬الجريمة‭ ‬أكثر‭ ‬تأثيرًا‭ ‬بسبب‭ ‬ارتباطها‭ ‬بثقة‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬الخدمات‭ ‬الدينية‭ ‬والحاجات‭ ‬الروحية،‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الاحتيال‭ ‬المرتبط‭ ‬بالحج‭ ‬يعتمد‭ ‬المحتال‭ ‬على‭ ‬استغلال‭ ‬رغبة‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬هذه‭ ‬الفريضة‭ ‬المهمة،‭ ‬وهي‭ ‬أمر‭ ‬ديني‭ ‬واجب‭ ‬على‭ ‬المسلم‭ ‬المستطيع‭. ‬يستغل‭ ‬المحتال‭ ‬هذه‭ ‬الفرصة‭ ‬لجمع‭ ‬الأموال‭ ‬بحجة‭ ‬تقديم‭ ‬خدمات‭ ‬لحجاج‭ ‬بيت‭ ‬الله‭ ‬الحرام،‭ ‬مثل‭ ‬حجز‭ ‬أماكن‭ ‬في‭ ‬الفنادق،‭ ‬وتوفير‭ ‬النقل،‭ ‬أو‭ ‬تقديم‭ ‬خدمات‭ ‬الإرشاد‭ ‬خلال‭ ‬مناسك‭ ‬الحج‭. ‬لكن،‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬يتبين‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحملات‭ ‬غير‭ ‬موجودة‭ ‬أصلاً‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تقدم‭ ‬الخدمات‭ ‬المتفق‭ ‬عليها‭. ‬وقد‭ ‬يختفي‭ ‬رئيس‭ ‬الحملة‭ ‬بعد‭ ‬جمع‭ ‬الأموال،‭ ‬أو‭ ‬يوفر‭ ‬خدمات‭ ‬أقل‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬وعد‭ ‬به‭. ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأنواع‭ ‬من‭ ‬الاحتيال‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تسبب‭ ‬للحجاج‭ ‬مشاكل‭ ‬كبيرة،‭ ‬مثل‭ ‬عدم‭ ‬قدرتهم‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬فريضة‭ ‬الحج،‭ ‬والتي‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬الفرصة‭ ‬الوحيدة‭ ‬لهم‭ ‬للقيام‭ ‬بها‭.‬

ولتجنب‭ ‬الوقوع‭ ‬ضحية‭ ‬لهذه‭ ‬الأنواع‭ ‬من‭ ‬الاحتيال،‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬الحجاج‭ ‬والمواطنين‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬مصداقية‭ ‬الحملة‭ ‬والتأكد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬رئيس‭ ‬الحملة‭ ‬مسجل‭ ‬لدى‭ ‬السلطات‭ ‬المختصة‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬طالعتنا‭ ‬الصحف‭ ‬المحلية‭ ‬بأن‭ ‬هيئة‭ ‬البحرين‭ ‬للسياحة‭ ‬والمعارض‭ ‬أعلنت‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬الرقابة‭ ‬السياحية‭ ‬رصدت‭ ‬40‭ ‬مكتبا‭ ‬لمزاولة‭ ‬أنشطة‭ ‬السفر‭ ‬والحجوزات‭ ‬دون‭ ‬ترخيص‭ ‬قانوني‭! ‬تصوروا‭.. ‬40‭ ‬مكتبا‭! ‬ماذا‭ ‬يحدث؟‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬نسمع‭ ‬ونتلقى‭ ‬معلومات‭ ‬وتقارير‭ ‬غريبة‭ ‬وعجيبة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬عشنا‭ ‬وترعرعنا‭ ‬وأكلنا‭ ‬من‭ ‬خيراتها،‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬احتضنت‭ ‬الجميع‭ ‬من‭ ‬مواطنين‭ ‬ووافدين‭ ‬بكل‭ ‬حب‭ ‬وسلام‭ ‬ووفرت‭ ‬الأمن‭ ‬والأمان‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬الوطن‭.‬

نعم‭.. ‬لابد‭ ‬من‭ ‬التصدي‭ ‬لهذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬الخطيرة‭ ‬التي‭ ‬تهدد‭ ‬أمن‭ ‬الوطن‭ ‬واستقراره‭ ‬وسمعته‭ ‬الجميلة،‭ ‬والضرب‭ ‬بيد‭ ‬من‭ ‬حديد‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬تسول‭ ‬له‭ ‬نفسه‭ ‬العبث‭ ‬بأمنه،‭ ‬ولكن‭ ‬يجب‭ ‬علينا‭ ‬نحن‭ ‬كمواطنين‭ ‬ومن‭ ‬باب‭ ‬غيرتنا‭ ‬وولائنا‭ ‬وإخلاصنا‭ ‬أن‭ ‬ندافع‭ ‬عن‭ ‬مكتسباتنا‭ ‬الوطنية‭ ‬ونعمل‭ ‬يدا‭ ‬بيد‭ ‬للتصدي‭ ‬لهذه‭ ‬الممارسات‭ ‬التي‭ ‬تهدد‭ ‬المجتمع‭ ‬البحريني‭. ‬ربي‭ ‬احفظ‭ ‬بحريننا‭ ‬الغالية‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬سوء‭ ‬ومكروه‭.‬

 

كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني