المسؤولية الاجتماعية للأفراد

| سليم مصطفى بودبوس

تعاظم‭ ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة،‭ ‬ولاسيما‭ ‬مع‭ ‬مطلع‭ ‬الألفية‭ ‬الثالثة،‭ ‬لدى‭ ‬المفكرين‭ ‬والسياسيين‭ ‬وناشطي‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬عن‭ ‬مفهوم‭ ‬المسؤولية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ومجالات‭ ‬تطبيقاتها‭ ‬المتعددة،‭ ‬وقد‭ ‬برزت‭ ‬مبادرات‭ ‬عديدة‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬تؤكد‭ ‬وعي‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭ ‬المتداخلة‭ ‬بالمسؤولية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للأفراد‭ ‬والمؤسسات‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬التوازن‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والنظام‭ ‬البيئي‭ (‬أو‭ ‬النظام‭ ‬الإيكولوجي‭) ‬والاجتماعي‭. ‬وقد‭ ‬ركزت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬والكتب‭ ‬على‭ ‬المسؤولية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للشركات‭ ‬منذ‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬نشأة‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭ ‬غربيا،‭ ‬حيث‭ ‬انتشر‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭ ‬وما‭ ‬ترتب‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬استغلال‭ ‬فاحش‭ ‬لكل‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬والطبيعية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬أقصى‭ ‬مستويات‭ ‬الربح‭ ‬ولو‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬النظام‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والبيئي‭. ‬

غير‭ ‬أن‭ ‬للأفراد،‭ ‬دورا‭ ‬عظيما‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الباب؛‭ ‬لأن‭ ‬نظرية‭ ‬المسؤولية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬هي‭ ‬نظرية‭ ‬أخلاقية‭ ‬في‭ ‬أساس‭ ‬نشأتها‭ ‬تضع‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬الجميع،‭ ‬منظمات‭ ‬أو‭ ‬أفرادا،‭ ‬العمل‭ ‬لمصلحة‭ ‬المجتمع‭ ‬ككل‭ ‬حفاظا‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والنظام‭ ‬البيئي‭ ‬والنظام‭ ‬الاجتماعي‭. ‬وتكون‭ ‬مسؤولية‭ ‬الأفراد‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬القيام‭ ‬بأفعال‭ ‬تحقق‭ ‬أهداف‭ ‬المجتمع‭ ‬أو‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬بالامتناع‭ ‬عن‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الأفعال‭ ‬الضارة‭ ‬بالمجتمع‭ ‬والبيئة‭ ‬والاقتصاد‭.‬‭ ‬والوعي‭ ‬بمفهوم‭ ‬المسؤولية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لدى‭ ‬الأفراد‭ ‬تحديدا‭ ‬مُهمة‭ ‬جسيمة،‭ ‬تتطلب‭ ‬تضافر‭ ‬الجهود،‭ ‬والعمل‭ ‬بإخلاص‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تربية‭ ‬الأفراد‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الواجب‭ ‬الأخلاقي‭ ‬والاجتماعي‭. ‬لذا‭ ‬فإن‭ ‬دور‭ ‬الأسرة‭ ‬ثم‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬كبير‭ ‬جدا؛‭ ‬لأن‭ ‬تنشئة‭ ‬الطفل‭ ‬صغيرا‭ ‬على‭ ‬مفاهيم‭ ‬المسؤولية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬سيسهل‭ ‬عليه‭ ‬تبنيها‭ ‬والعمل‭ ‬بها‭ ‬كبيرا،‭ ‬خصوصا‭ ‬أن‭ ‬للمسؤولية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬دوائر‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬مسؤولية‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬الأسرة‭ ‬وتكبر‭ ‬معه‭ ‬تدريجيا‭ ‬حتى‭ ‬مسؤوليته‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬وتلعب‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬دورا‭ ‬رئيسا‭ ‬في‭ ‬التوعية‭ ‬بمفهوم‭ ‬المسؤولية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لدى‭ ‬الأفراد؛‭ ‬نظرا‭ ‬لانتشارها‭ ‬وقوة‭ ‬نفاذها‭ ‬إلى‭ ‬المتقبل،‭ ‬لاسيما‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الإشهار‭ ‬والومضات‭ ‬التوعوية‭ ‬والمسلسلات‭ ‬والبرامج‭ ‬الحوارية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الإنتاج‭ ‬الإعلامي‭ ‬التقليدي‭ ‬والجديد‭. ‬وقد‭ ‬تتجاوز‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬مجرد‭ ‬رصد‭ ‬أخبار‭ ‬المسؤولية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وتغطيتها‭ ‬إلى‭ ‬ابتكار‭ ‬مبادرات‭ ‬للحث‭ ‬والتشجيع‭ ‬على‭ ‬التنافس‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬وخير‭ ‬مثال‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬مبادرة‭ ‬“البلاد”‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬“درع‭ ‬البلاد‭ ‬للمسؤولية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للشركات”‭.

والتي‭ ‬تتواصل‭ ‬بنجاح‭ ‬للعام‭ ‬الثالث‭ ‬على‭ ‬التوالي،‭ ‬ونرجو‭ ‬أن‭ ‬تحذو‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬حذوها‭ ‬وتبعث‭ ‬جوائز‭ ‬للمسؤولية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للمدارس‭ ‬مثلا‭ ‬أو‭ ‬للنوادي‭ ‬أو‭ ‬للأفراد‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬محددة‭.‬

لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬مفهوم‭ ‬المسؤولية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬يتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬القيام‭ ‬بأعمال‭ ‬تطوعية‭ ‬أو‭ ‬مساعدة‭ ‬الآخرين‭ ‬بالتبرع‭ ‬بالمال‭.. ‬إنها‭ ‬منهج‭ ‬حياة‭ ‬وسلوك‭ ‬بيئي‭ ‬واجتماعي‭ ‬واقتصادي‭ ‬مستمر‭ ‬ومتطور‭ ‬من‭ ‬الفرد‭ ‬والمؤسسة‭ ‬نحو‭ ‬المجتمع‭ ‬تتحقق‭ ‬معه‭ ‬المواطنة‭ ‬بمعناها‭ ‬الحقيقي،‭ ‬ويتحقق‭ ‬معها‭ ‬السلام‭ ‬البيئي‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬لذا‭ ‬يعتبر‭ ‬كثيرون‭ ‬أن‭ ‬المسؤولية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬هي‭ ‬الأساس‭ ‬الأخلاقي‭ ‬الذي‭ ‬تستند‭ ‬إليه‭ ‬المواطنة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬تنمية‭ ‬مستدامة‭ ‬تضمن‭ ‬حقوق‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬وحقوق‭ ‬الأجيال‭ ‬القادمة‭.‬

كاتب‭ ‬تونسي‭ ‬ومدير‭ ‬تحرير‭ ‬مجلة‭ ‬البحرين‭ ‬الخيرية