غناء الموتى
| ياسر سليم
أعلن المطرب والملحن المعروف حميد الشاعري عن بيعه حقوق استخدام بصمة صوته لشركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، لاستخدامها في إنتاج أعمال فنية بعد وفاته، على أن تنتقل هذه الحقوق إلى الورثة. فعل مثله زميله المطرب محمد حماقي، وقام بالفعل بنفس الخطوة، ولابد أن عدداً من المطربين الآخرين سيلحقون بهما. إذن سنسمع شدوا من القبور، أصوات مطربينا المفضلين ستأتينا من العالم الآخر، ما الذي يمكن أن نشعر به عندئذ؟. ثمة تطورات تقنية مرعبة كانت يوماً ما تبدو مستحيلة، لو أخبرنا أحد أنها ستقع في حياتنا لاعتبرناه مؤلف خيال علمي. ذلك الاتجاه المتزايد للفنانين لبيع حقوق بصمات أصواتهم لشركات الذكاء الاصطناعي لاستخدامها في خلق أعمال فنية بعد وفاتهم، على الرغم من كونها مربحة لكل من الفنانين وشركات الذكاء الاصطناعي على السواء، لكنها تثير تساؤلاً أخلاقياً وفنياً معقداً: هل سيشعر الناس حقاً بتقدير هذه الأغاني التي تحمل بصمة صوت الفنان عندما يرحل، أم أننا سنتعاطى معها باعتبارها أمراً طبيعياً؟. فكرة استمرار صوت الفنان في الارتداد عبر العصور، حتى بعد وفاته الجسدي، فكرة جذابة ومقلقة في الوقت نفسه، فمن ناحية، هي تقدم إمكانية رائعة لخلود أصواتهم، مما يسمح لموسيقاهم بالبقاء لعدة أجيال. من ناحية أخرى، فهي تثير مخاوف حول أصالة وابتكار هذه الأعمال، فهل ستتمكن هذه الأعمال التي تولدها تقنيات الذكاء الاصطناعي من التقاط جوهر أسلوب الفنان الإبداعي الفريد ورؤيته، أم أنها ستكون مجرد تقليد خالٍ من التعبير الفني الحقيقي؟. أتوقع أن يثير الإعلان الأخير للشاعري جدلا واسعاً، سيثني البعض على بصيرته وروحه الريادية، وأن تلك الخطوة تساعد في الحفاظ على إرث الفنان من خلال ضمان استمرار وصول موسيقاهم إلى الأجيال القادمة.
بالمقابل، سيعرب آخرون عن تحفظاتهم بشأن العواقب المحتملة، وتبقى حقيقة أن مثل هذه الخطوة يمكن أن تقوض قيمة إرث الفنان وتقلل من أهمية عمله الأصلي، مع انتشار الموسيقى التي تولدها تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما يؤدي إلى فقدان التنوع والثراء الفني. وبما إنه لم يعد هناك حدود للخيال العلمي الذي يمكن أن نجده واقعا أمامنا في غضون سنوات قليلة، فعلينا انتظار أن يتمكن الذكاء الاصطناعي من خلق أشكال جديدة مبتكرة ومثيرة من الموسيقى، عبر الجمع بين صوت الفنان وآلات صوتية ومؤثرات صوتية تولدها تقنيات الذكاء الاصطناعي، ليتيسر إنتاج موسيقى مألوفة وجديدة في الوقت نفسه، تجذب المعجبين القدامى والجدد.
أود لو أطلقنا حملة لمناشدة عمالقة الطرب العربي لبيع بصماتهم الصوتية لشركات الذكاء الصناعي، شخصياً أريد أن نحتفظ بأصوات أم كلثوم وفيروز ومحمد عبده لتظل أصواتهم تشدو بلا انقطاع. في النهاية، فإن مسألة ما إذا كانت الموسيقى التي تولدها تقنيات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تلتقط حقاً روح الفنان وقلبه، هي مسألة ذاتية، بحسب المتلقي، إذ سيجد البعض ذلك مقلقاً للغاية، قد يقبله البعض الآخر كتطور طبيعي لصناعة الموسيقى، لاسيما مع استمرار التكنولوجيا في التطور. ومن المحتمل أن نشهد استخدامات أكثر ابتكاراً وإبداعاً للذكاء الاصطناعي في إنتاج الموسيقى، ويبقى السؤال هو ما إذا كانت هذه التطورات ستعزز قيمة الموسيقى كشكل من أشكال التعبير الفني أم تقللها؟. وفي حين أن ذلك التطور يوفر إمكانية تحقيق نوع من الخلود للفنانين، إلا أنه يثير أيضاً أسئلة مهمة حول طبيعة الإبداع الفني ومستقبل الموسيقى، مع توجهنا نحو هذا المجال غير المستكشف، من الضروري أن نتعامل مع هذه التطورات بعين ناقدة والتزام بالحفاظ على نزاهة وأصالة الموسيقى كشكل من أشكال التعبير الإنساني.