يا طالعين عالجبل

| رضي السماك

“يا‭ ‬طالعين‭ ‬عالجبل”‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أجمل‭ ‬أغاني‭ ‬التراث‭ ‬النسوي‭ ‬الشعبي‭ ‬الفلسطيني‭ ‬القديمة،‭ ‬ويقوم‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬على‭ ‬“الموالاة”‭ ‬أو‭ ‬الترويدة”،‭ ‬أي‭ ‬ترديد‭ ‬بعض‭ ‬فقراتها‭ ‬عدة‭ ‬مرات،‭ ‬وهو‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الغناء‭ ‬الريفي‭ ‬الفلسطيني‭ ‬ذي‭ ‬إيقاع‭ ‬منغّم‭ ‬متمهل‭. ‬ويُقال‭ ‬إنه‭ ‬كان‭ ‬يُؤدىٰ‭ ‬جماعياً‭ ‬بدون‭ ‬آلات‭ ‬موسيقية،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الفلكلور‭ ‬الشعبي‭ ‬الجميل‭ ‬الذي‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬تردده‭ ‬النسوة‭ ‬ضمن‭ ‬أهازيجهن‭ ‬في‭ ‬مناسبات‭ ‬شعبية‭ ‬مختلفة‭ (‬كالأعراس،‭ ‬أو‭ ‬أثناء‭ ‬حلب‭ ‬المواشي،‭ ‬أو‭ ‬عند‭ ‬تهيئة‭ ‬قوافل‭ ‬الجمال‭ ‬للأسفار‭ ‬الطويلة،‭ ‬وفي‭ ‬مناسبات‭ ‬دينية‭ ‬متعددة‭)‬،‭ ‬تمكنّ‭ ‬بعبقريتهن‭ ‬الإبداعية‭ ‬الفذة‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬تلك‭ ‬الأغنية‭ ‬وتوظيفها‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬بديع‭ ‬لخدمة‭ ‬النضال‭ ‬الوطني‭ ‬المقاوم‭ ‬للاحتلالات‭ ‬الأجنبية‭ ‬المتعاقبة‭ ‬لفلسطين‭ ‬العربية‭. ‬ويرجع‭ ‬بعض‭ ‬الباحثين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬هذا‭ ‬التوظيف‭ ‬إلى‭ ‬عهد‭ ‬السيطرة‭ ‬العثمانية،‭ ‬فيما‭ ‬يرجعه‭ ‬البعض‭ ‬الآخر‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإنجليزي‭ (‬الانتداب‭)‬،‭ ‬ويتمثل‭ ‬هذا‭ ‬التوظيف‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تشفير‭ ‬بعض‭ ‬كلمات‭ ‬الأغنية‭ ‬بمعلومات‭ ‬سرية‭ ‬مهمة‭ ‬مرسلة‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬المقاومة‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬إلى‭ ‬المناضلين‭ ‬المعتقلين‭ ‬في‭ ‬سجون‭ ‬الاحتلال،‭ ‬وذلك‭ ‬عند‭ ‬زيارة‭ ‬الأمهات‭ ‬والزوجات‭ ‬الفلسطينيات‭ ‬إلى‭ ‬أبنائهن‭ ‬أو‭ ‬أزواجهن‭ ‬المعتقلين‭ ‬في‭ ‬السجون‭ ‬العثمانية،‭ ‬ثم‭ ‬تواصل‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬الشعبي‭ ‬المقاوم‭ ‬جيلاً‭ ‬وراء‭ ‬جيل‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬الأُمهات‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الانتداب،‭ ‬ثم‭ ‬توارثته‭ ‬بناتهن‭ ‬وحفيداتهن‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬النكبة‭ ‬1948‭ ‬حتى‭ ‬ظهور‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المسلحة‭ ‬ضد‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬هزيمة‭ ‬1967‭. ‬ويتم‭ ‬التشفير‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إضافة‭ ‬حرف‭ ‬واحد‭ ‬لبعض‭ ‬كلمات‭ ‬الأغنية،‭ ‬كاللام،‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الطابع‭ ‬التراثي‭ ‬لإيقاع‭ ‬الأغنية‭. ‬واشتهرت‭ ‬الفنانة‭ ‬الراحلة‭ ‬ريم‭ ‬البنا،‭ ‬ابنة‭ ‬مدينة‭ ‬الناصرة،‭ ‬عاصمة‭ ‬الجليل،‭ ‬بتأدية‭ ‬هذه‭ ‬الأغنية‭.‬

ومن‭ ‬أروع‭ ‬ما‭ ‬شاهدته‭ ‬من‭ ‬أداء‭ ‬لهذه‭ ‬الأغنية‭ ‬الجميلة‭ ‬الرائعة‭ ‬الغناء‭ ‬المشترك‭ ‬للفنانتين‭ ‬الفلسطينية‭ ‬تيريزا‭ ‬سليمان‭ ‬والإسبانية‭ ‬صوفيا‭ ‬باللغتين‭ ‬العربية‭ ‬والإسبانية‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬بحرية‭ ‬جماعية‭ ‬مسائية‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬قارب‭ ‬حيث‭ ‬تظهران‭ ‬جالستين‭ ‬القرفصاء‭ ‬متقابلتين‭ ‬وهما‭ ‬تضربان‭ ‬إيقاع‭ ‬الأغنية‭ ‬بأيديهما‭ ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬“الخبازة”‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬الطحين‭ ‬فوق‭ ‬طاولة‭ ‬أرضية‭ ‬قصيرة‭ ‬قبيل‭ ‬خبزه‭ ‬في‭ ‬التنور‭.‬

‭* ‬كاتب‭ ‬بحريني