إرهاصات دورة اقتصادية جديدة

| د. خالد الوزني

بإعلان‭ ‬البنك‭ ‬الفيدرالي‭ ‬الأميركي‭ ‬تخفيض‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬بخمسين‭ ‬نقطة‭ ‬أساس‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬العام‭ ‬2020،‭ ‬يسري‭ ‬الأمل‭ ‬بين‭ ‬الأسواق‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العالمية‭ ‬ببداية‭ ‬دورة‭ ‬اقتصادية‭ ‬انتعاشية‭ ‬بعد‭ ‬طول‭ ‬انتظار‭. ‬فقد‭ ‬واجهت‭ ‬تلك‭ ‬الأسواق‭ ‬السياسات‭ ‬التقيُّدية‭ ‬التشدُّدية‭ ‬التي‭ ‬استمرت‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬السنوات‭ ‬الأربع‭ ‬الماضية،‭ ‬وتحمَّلت‭ ‬تبعات‭ ‬زيادة‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬إحدى‭ ‬عشرة‭ ‬مرة،‭ ‬وتثبَّتها‭ ‬تسع‭ ‬مرات،‭ ‬وتناغمت‭ ‬معظمها‭ ‬مع‭ ‬تلك‭ ‬السياسة‭ ‬حتى‭ ‬بداية‭ ‬العام‭ ‬الحالي،‭ ‬مع‭ ‬تفاوت‭ ‬بسيط‭ ‬ومحدود‭. ‬التوجُّه‭ ‬الجديد‭ ‬للبنك‭ ‬الفيدرالي‭ ‬الأميركي‭ ‬هو‭ ‬بداية‭ ‬إرهاصات‭ ‬لمرحلة‭ ‬تنتظرها‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬باعتبارها‭ ‬انفراجة‭ ‬وسياسة‭ ‬تأشيرة‭ ‬لتحريك‭ ‬الاقتصادات‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬دورة‭ ‬اقتصادية‭ ‬نحو‭ ‬الازدهار‭ ‬المتدرّج‭. ‬بيد‭ ‬أنَّ‭ ‬المعروف‭ ‬أنَّ‭ ‬استجابة‭ ‬الأسواق‭ ‬المحلية‭ ‬لكافة‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬تخضع‭ ‬لما‭ ‬يُسمّى‭ ‬فترات‭ ‬التباطؤ،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬تأخير‭ ‬الشعور‭ ‬بالأثر‭ ‬المنشود‭ ‬لفترة‭ ‬أو‭ ‬فترتين‭ ‬على‭ ‬الأقل‭. ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬بدأت‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬بتخفيض‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬وبالزخم‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬بدأه‭ ‬البنك‭ ‬الفيدرالي‭ ‬الأميركي،‭ ‬إلا‭ ‬أنَّ‭ ‬البنوك‭ ‬التجارية‭ ‬قد‭ ‬تتأخَّر‭ ‬في‭ ‬تطبيق‭ ‬الأثر،‭ ‬وقد‭ ‬تنتظر‭ ‬مدة‭ ‬شهر‭ ‬أو‭ ‬شهرين‭ ‬لتعكس‭ ‬تلك‭ ‬التخفيضات‭ ‬على‭ ‬قروض‭ ‬الأفراد‭ ‬والشركات،‭ ‬ولكنها‭ ‬ستطِّبق‭ ‬ذلك‭ ‬التخفيض‭ ‬على‭ ‬الودائع‭ ‬القائمة‭ ‬والجديدة‭ ‬على‭ ‬الفور‭. ‬وفي‭ ‬جميع‭ ‬الأحوال،‭ ‬فإنَّ‭ ‬العام‭ ‬الحالي،‭ ‬الذي‭ ‬سيشهد‭ ‬التخفيض‭ ‬التالي‭ ‬لأسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬شهرين،‭ ‬سيشكِّل‭ ‬بداية‭ ‬انتهاء‭ ‬فترة‭ ‬الركود‭ ‬والانكماش‭ ‬العالمي،‭ ‬وبداية‭ ‬التوازن‭ ‬نحو‭ ‬التوجُّه‭ ‬الإيجابي‭ ‬والتيسير‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تتوالَ‭ ‬أحداث‭ ‬عالمية‭ ‬تمنع‭ ‬ذلك‭. ‬وعليه،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الأثر‭ ‬الحقيقي‭ ‬للتوجُّهات‭ ‬الجديدة‭ ‬سيبدأ‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2025،‭ ‬وفي‭ ‬حال‭ ‬استمرار‭ ‬هذه‭ ‬التوجُّهات‭ ‬ستكون‭ ‬بالفعل‭ ‬الحافز‭ ‬إلى‭ ‬دورة‭ ‬اقتصادية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬أوجها‭ ‬مع‭ ‬نهاية‭ ‬هذا‭ ‬العقد‭. ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬من‭ ‬النظر‭ ‬بحذر‭ ‬إلى‭ ‬التوجُّهات‭ ‬والتبعات‭ ‬التي‭ ‬سيشهدها‭ ‬سوق‭ ‬الأسهم‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وسوق‭ ‬المعادن‭ ‬وخاصة‭ ‬الذهب‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬مع‭ ‬توافر‭ ‬السيولة‭ ‬وزيادة‭ ‬شهية‭ ‬البنوك‭ ‬نحو‭ ‬الإقراض،‭ ‬وشهية‭ ‬الأفراد‭ ‬على‭ ‬الاقتراض‭ ‬والإنفاق،‭ ‬فقد‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬ظهور‭ ‬الفقاعات‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‭. ‬وهذه‭ ‬تحذيرات‭ ‬مطلوبة‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الذاكرة‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تغفل‭ ‬عمّا‭ ‬شهده‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬فقاعات‭ ‬أوصلت‭ ‬إلى‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬العام‭ ‬2008‭. ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬تبقى‭ ‬هناك‭ ‬نتائج‭ ‬إيجابية‭ ‬متوقَّعة‭ ‬على‭ ‬قروض‭ ‬الأفراد‭ ‬والشركات،‭ ‬وعلى‭ ‬توافر‭ ‬السيولة‭ ‬لهذه‭ ‬القروض،‭ ‬وعلى‭ ‬المديونية‭ ‬العالمية‭ ‬للدول،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الكلف،‭ ‬وبالتالي‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬تمويل‭ ‬المشاريع‭ ‬الكبرى،‭ ‬وفي‭ ‬كلف‭ ‬خدمة‭ ‬الدَّين،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬تحسُّن‭ ‬مستوى‭ ‬الدخل‭ ‬الفردي،‭ ‬ومستوى‭ ‬الإنفاق‭ ‬الخاص‭ ‬والعام‭. ‬الإرهاصات‭ ‬ستكون‭ ‬إيجابية‭ ‬على‭ ‬الاقتصادات،‭ ‬وتبقى‭ ‬المحاذيرُ‭ ‬من‭ ‬الإسراف‭ ‬وسوء‭ ‬إدارة‭ ‬الدَّين‭ ‬العام،‭ ‬والتوسُّع‭ ‬غير‭ ‬المدروس‭ ‬في‭ ‬الاقتراض‭ ‬وفي‭ ‬استخدامات‭ ‬القروض،‭ ‬قائمةً‭ ‬ومهمةً‭ ‬وفق‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬دروس‭ ‬العقدين‭ ‬الماضيين‭.‬