رحلة في زمن “البلاك آند وايت” مع بدر كيكسو!

| أحمد كريم

ليست‭ ‬الذكريات‭ ‬مجرد‭ ‬مذنبات‭ ‬شاردة‭ ‬في‭ ‬السماء،‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬اللحظات‭ ‬صادقة‭ ‬ومؤثرة‭ ‬فإنها‭ ‬تلامس‭ ‬الروح‭ ‬وتعشعش‭ ‬في‭ ‬الوجدان،‭ ‬وتشكل‭ ‬ملامح‭ ‬الماضي‭ ‬وخارطة‭ ‬طريق‭ ‬يتبع‭ ‬الإنسان‭ ‬مسالكها‭ ‬للوصول‭ ‬العكسي‭ ‬إلى‭ ‬النبع،‭ ‬المنشأ،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬للالتقاء‭ ‬بالذات‭ ‬التي‭ ‬انطلق‭ ‬منها‭ ‬نحو‭ ‬العالم‭ ‬الخارجي‭ ‬وتعرف‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬قبح‭ ‬وجمال‭!‬

قصّ‭ ‬لي‭ ‬رجل‭ ‬الأعمال‭ ‬والرياضي‭ ‬بدر‭ ‬كيكسو‭ ‬حكايات‭ ‬عن‭ ‬ماضٍ‭ ‬جميل‭ ‬في‭ ‬حقبة‭ ‬الخمسينات‭ ‬والستينات،‭ ‬عندما‭ ‬كانت‭ ‬الصورة‭ ‬“أبيض‭ ‬وأسود”،‭ ‬قاتمة‭ ‬لجيل‭ ‬جديد،‭ ‬مشرقة‭ ‬لجيل‭ ‬عايشها،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬كلتا‭ ‬الحالتين،‭ ‬تنبض‭ ‬بالحياة‭ ‬والمشاعر،‭ ‬مستمدة‭ ‬حضورها‭ ‬القوي‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬المواقف‭ ‬التي‭ ‬شهدتها،‭ ‬لتثبت‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬أيام‭ ‬خوالٍ،‭ ‬وإنما‭ ‬قاعدة‭ ‬صلبة‭ ‬أسست‭ ‬لظهور‭ ‬شخصيات‭ ‬مثيرة‭ ‬للإعجاب‭ ‬ساهمت‭ ‬بشكل‭ ‬ملموس‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬نهضة‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬وتاريخها‭ ‬المجيد‭.‬

في‭ ‬الواقع،‭ ‬مازلت‭ ‬متأثرا‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬بحكايات‭ ‬تحمل‭ ‬الشيء‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬العبر‭ ‬والمواعظ،‭ ‬نابعة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الرجل‭ ‬الطيب‭ ‬بدر‭ ‬كيكسو‭ (‬أبو‭ ‬أحمد‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬دفعه‭ ‬حب‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬في‭ ‬السن‭ ‬15،‭ ‬إلى‭ ‬طرق‭ ‬باب‭ ‬حاكم‭ ‬البحرين‭ ‬الراحل‭ ‬سمو‭ ‬الشيخ‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة؛‭ ‬ليطلب‭ ‬دعم‭ ‬المشاركة‭ ‬التي‭ ‬يعتزم‭ ‬هو‭ ‬ورفاقه‭ - ‬فريق‭ ‬نادي‭ ‬الجزائر،‭ ‬وقد‭ ‬حصل‭ ‬بالفعل‭ ‬على‭ ‬مبلغ‭ ‬سخي‭ ‬آنذاك‭  ‬قوامه‭ ‬500‭ ‬روبية،‭ ‬وقد‭ ‬كانت‭ ‬كافية‭ ‬لتحقيق‭ ‬أحلامهم‭ ‬الخيالية‭ ‬التي‭ ‬شقت‭ ‬عباب‭ ‬البحر‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬قطر‭ ‬دون‭ ‬خوف‭ ‬من‭ ‬المجهول‭!‬

وكأننا‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬حكاية‭ ‬أسطورية،‭ ‬25‭ ‬مراهقا‭ ‬يغادرون‭ ‬منازلهم‭ ‬وفرجانهم‭ ‬ومدارسهم،‭ ‬مسافرين‭ ‬إلى‭ ‬خوض‭ ‬مباراة‭ ‬كرة‭ ‬قدم،‭ ‬متحدين‭ ‬أعمارهم‭ ‬بوجوههم‭ ‬الطفولية‭ ‬المدفوعة‭ ‬بالشغف،‭ ‬والمضي‭ ‬قدما‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬بدأت‭ ‬ولم‭ ‬تنته؛‭ ‬لأنها‭ ‬رفعت‭ ‬من‭ ‬سقف‭ ‬التحديات‭ ‬والتطلعات،‭ ‬وأصبح‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬قطر‭ ‬ليس‭ ‬كما‭ ‬قبله،‭ ‬وكأنها‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬استراتيجية‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬شخصية‭ ‬هؤلاء‭ ‬المراهقين،‭ ‬الذين‭ ‬بدر‭ ‬منهم‭ ‬سلوك‭ ‬لأشخاص‭ ‬كبار،‭ ‬وهنا‭ ‬يكمن‭ ‬السر‭ ‬في‭ ‬تشكل‭ ‬شخصية‭ ‬بدر‭ ‬كيكسو‭ ‬الفريدة،‭ ‬ومن‭ ‬لف‭ ‬لفها‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬العمالقة‭ ‬ممن‭ ‬صنعت‭ ‬المواقف‭ ‬شخصياتهم‭ ‬المحنكة‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬أعمار‭ ‬صغيرة،‭ ‬فأصبحوا‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أقرانهم،‭ ‬ممن‭ ‬يفضلون‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬قوقعة‭ ‬الخوف‭ ‬والتردد‭!‬

وهنا‭ ‬أتساءل‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ ‬الحيرة‭ ‬في‭ ‬ختام‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬الممتعة‭ ‬عن‭ ‬الزمن‭ ‬الذي‭ ‬يتحدث‭ ‬عنه‭ ‬بدر‭ ‬كيكسو،‭ ‬هل‭ ‬كان‭ ‬بهذا‭ ‬القدر‭ ‬من‭ ‬الجمال؟‭ ‬هل‭ ‬السفر‭ ‬عبر‭ ‬قارب‭ ‬له‭ ‬مذاق‭ ‬ركوب‭ ‬الطائرة؟‭ ‬هل‭ ‬تصفح‭ ‬الأخبار‭ ‬في‭ ‬الجريدة‭ ‬بسهولة‭ ‬اقتناصها‭ ‬من‭ ‬على‭ ‬منصات‭ ‬“السوشال‭ ‬ميديا”؟،‭ ‬هل‭ ‬لعب‭ ‬مباراة‭ ‬على‭ ‬ملعب‭ ‬رملي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬متعة‭ ‬وإثارة‭ ‬من‭ ‬اللعب‭ ‬على‭ ‬ملعب‭ ‬عشبي؟‭!‬