قضيتي...!

| غسان الشهابي

يحاول‭ ‬بعض‭ ‬المثبطين‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬العربي‭ ‬أن‭ ‬يحرفوا‭ ‬البوصلة‭ ‬ويضللوها‭ ‬باختراع‭ ‬عبارة‭ ‬جديدة،‭ ‬حين‭ ‬يقولونها‭ ‬يعتقدون‭ ‬أنهم‭ ‬بذلك‭ ‬بلغوا‭ ‬ذرى‭ ‬الوطنية‭ ‬ـ‭ ‬وأخذوا‭ ‬من‭ ‬الفلسفة‭ ‬والمنطق‭ ‬بحظ‭ ‬عظيم،‭ ‬وذلك‭ ‬حينما‭ ‬يقولون‭ (‬والحمد‭ ‬لله‭ ‬أنهم‭ ‬إلى‭ ‬الآن‭ ‬قلّة‭ ‬قليلة‭): ‬“فلسطين‭ ‬ليست‭ ‬قضيتي‭... ‬بلدي‭ ‬قضيتي”‭!‬

لقد‭ ‬خلقنا‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬متعددين،‭ ‬لنا‭ ‬خياراتنا،‭ ‬ويمكننا‭ ‬إجراء‭ ‬العمليات‭ ‬الحسابية،‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬الجمع،‭ ‬فنجمع‭ ‬بين‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬تهمنا،‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬طبيعي‭ ‬جدًا،‭ ‬فلسنا‭ ‬–‭ ‬كما‭ ‬أسماهم‭ ‬هيربرت‭ ‬ماركوز‭ ‬–‭ ‬“الإنسان‭ ‬ذو‭ ‬البُعد‭ ‬الواحد”،‭ ‬الذي‭ ‬تسيطر‭ ‬عليه‭ ‬الآلة‭ ‬الإعلامية‭ ‬فتحدد‭ ‬ملامحه،‭ ‬وترسم‭ ‬طريقة‭ ‬تفكيره،‭ ‬وتحدّ‭ ‬من‭ ‬عوالمه،‭ ‬وتجعله‭ ‬منكفئًا‭ ‬على‭ ‬نفسه،‭ ‬ضيّق‭ ‬الحدود‭ ‬والآفاق،‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬شيئًا‭ ‬خارج‭ ‬إطاره‭ ‬الشخصي،‭ ‬ولا‭ ‬يهتم‭ ‬لما‭ ‬يجري‭ ‬للآخرين،‭ ‬ولا‭ ‬يتعاطف‭ ‬معهم،‭ ‬لأن‭ ‬الإنسانية‭ ‬ليست‭ ‬قضيته،‭ ‬ولأن‭ ‬الفقراء‭ ‬ليسوا‭ ‬أقاربه،‭ ‬ولأنه‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬الضعاف،‭ ‬ولأن‭ ‬المرضى‭ ‬لا‭ ‬يمتون‭ ‬له‭ ‬بصلة،‭ ‬وعلى‭ ‬ذلك‭ ‬يمكن‭ ‬قياس‭ ‬مئات‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬للمرء‭ ‬أن‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها،‭ ‬ويخلص‭ ‬في‭ ‬سبيلها،‭ ‬ويبذل‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬ماله،‭ ‬ووقته‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬نصرتها،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ينسى‭ ‬نصيب‭ ‬بلاده‭ ‬منه،‭ ‬ومن‭ ‬جهده‭ ‬وحُسن‭ ‬بلائه‭. ‬إن‭ ‬من‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬اقتصار‭ ‬الجهد‭ ‬والعاطفة‭ ‬على‭ ‬البلد‭ ‬وحده،‭ ‬هل‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يفسر‭ ‬هذه‭ ‬المظاهرات،‭ ‬والمسيرات‭ ‬العالمية‭ ‬الحاشدة‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬تتوقف،‭ ‬ولا‭ ‬تضعف،‭ ‬ولا‭ ‬تتراجع‭ ‬كما‭ ‬تراجعت‭ ‬في‭ ‬غالبية‭ ‬الدول‭ ‬العربية؟‭ ‬لأن‭ ‬الناس‭ ‬اعتادوا‭ ‬الاهتمام‭ ‬والتعاطف،‭ ‬ولم‭ ‬يعتادوا‭ ‬السكوت‭ ‬على‭ ‬أصغر‭ ‬التصرفات‭ ‬اليومية،‭ ‬كتخطي‭ ‬الطابور‭ ‬أو‭ ‬تجاوز‭ ‬الأنظمة‭ ‬المرورية‭ ‬وكأن‭ ‬البعض‭ ‬خير‭ ‬من‭ ‬بقية‭ ‬الخلق،‭ ‬وهو‭ ‬الوحيد‭ ‬المستعجل‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تفتح‭ ‬له‭ ‬الطرقات‭.. ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬فبلاد‭ ‬المتعاطفين‭ ‬متقدمة‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬اقتصاديا،‭ ‬وسياسيا،‭ ‬وثقافيا،‭ ‬وعسكريا،‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬الوطن‭ ‬ينال‭ ‬حظه‭ ‬من‭ ‬العطاء‭ ‬والاهتمام‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الإشاحة‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬الأخوّة‭ ‬الإنسانية‭.‬

لقد‭ ‬قالها‭ ‬نيلسون‭ ‬مانديلا‭: ‬“ليس‭ ‬حرًا‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬إنسانًا‭ ‬يهان‭ ‬أمامه‭ ‬ولا‭ ‬يشعر‭ ‬بالإهانة”‭.‬

‭*‬كاتب‭ ‬بحريني