فصل جديد من دورة التاريخ

| كمال الذيب

أرسل‭ ‬لي‭ ‬الصديق‭ ‬تعقيبا‭ ‬على‭ ‬المقالين‭ ‬السابقين‭ (‬استراتيجيات‭ ‬الجنون‭)‬،‭ ‬واللذين‭ ‬حاولت‭ ‬فيهما‭ ‬تحليل‭ ‬وضع‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬العالم،‭ ‬ومآلات‭ ‬الصراع‭ ‬الحالي‭ ‬مع‭ ‬الاتحاد‭ ‬الروسي‭ ‬وآثاره‭ ‬القائمة‭ ‬والمحتملة‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬جاء‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭: ‬“أتفق‭ ‬معك‭ ‬بأن‭ ‬المواجهة‭ ‬القائمة‭ ‬حاليا‭ ‬طرحت‭ ‬سؤالاً‭ ‬محورياً‭ ‬حول‭ ‬مآلات‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬سيطر‭ ‬عليه‭ ‬الغرب‭ ‬الجماعي‭ ‬بقيادة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأميركية،‭ ‬منذ‭ ‬سقوط‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬في‭ ‬1991م،‭ ‬إلا‭ ‬أنني‭ ‬أراك‭ ‬استغرقت‭ ‬في‭ ‬التفاؤل‭ ‬بنهاية‭ ‬سيطرة‭ ‬الغرب‭ ‬الجماعي‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة،‭ ‬وأرى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬الذي‭ ‬تتحدث‭ ‬عنه‭ ‬ظاهري‭ ‬ومؤقت،‭ ‬وأن‭ ‬الغرب‭ ‬سيظل‭ ‬سيد‭ ‬العالم‭ ‬لعقود‭ ‬عديدة‭ ‬قادمة”‭.‬

كتبت‭ ‬للصديق‭ ‬موضحا‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬التبس‭ ‬عليه‭ ‬فيما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬المقالين‭: ‬“إن‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬ميزان‭ ‬القوة‭ ‬العالمية‭ ‬بات‭ ‬حديثا‭ ‬معلنا‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬نفسها‭. ‬وأصبح‭ ‬يشغل‭ ‬بال‭ ‬المخططين‭ ‬الاستراتيجيين،‭ ‬وكبار‭ ‬المفكرين‭ ‬والساسة‭ ‬في‭ ‬الغرب،‭ ‬فالعالم‭ ‬–‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬العديد‭ ‬منهم‭ - ‬مقبل‭ ‬على‭ ‬مرحلة‭ ‬تراجع‭ ‬للهيمنة‭ ‬الغربية‭ ‬الكاملة‭ ‬على‭ ‬العالم،‭ ‬والتي‭ ‬استمرت‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬الـ‭ ‬18‭ ‬وحتى‭ ‬اليوم‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬القوى‭ ‬الأوروبية‭ ‬التقليدية‭ ‬قد‭ ‬انتهت‭ ‬كقوى‭ ‬استعمارية‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬70‭ ‬عاما،‭ ‬فإن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأميركية‭ ‬التي‭ ‬تربعت‭ ‬على‭ ‬سيادة‭ ‬العالم‭ ‬منفردة‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود،‭ ‬تواجه‭ ‬اليوم‭ ‬بداية‭ ‬تراجع‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الهيمنة،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أنها‭ ‬وضعت‭ ‬العراقيل‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬بروز‭ ‬أية‭ ‬قوى‭ ‬منافسة‭ ‬لها،‭ ‬واختطفت‭ ‬القرار‭ ‬الأممي،‭ ‬واستبدلت‭ ‬النظام‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬بالنظام‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬القواعد‭ ‬التي‭ ‬سطرتها‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬فقد‭ ‬أخفقت‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وأفغانستان‭ ‬وفي‭ ‬معظم‭ ‬الملفات‭ ‬الدولية‭ ‬الرئيسية،‭ ‬وقد‭ ‬انعكس‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬المشهد‭ ‬الأميركي‭ ‬الداخلي،‭ ‬وأمست‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬محاصرة،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى،‭ ‬بجملة‭ ‬من‭ ‬الأسئلة‭ ‬المحرجة‭ ‬حول‭ ‬حروبها‭ ‬وغزواتها‭ ‬وانسحاباتها‭. ‬ولذلك‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬قادرة‭ ‬–‭ ‬في‭ ‬تقديري‭ - ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬استمرار‭ ‬الهيمنة‭ ‬الكاملة‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬يتجاوزها‭.. ‬وأوافقك‭ ‬الرأي‭ ‬بأن‭ ‬الغرب‭ ‬الجماعي‭ ‬بقيادة‭ ‬أميركا‭ ‬سيبقى‭ ‬قوة‭ ‬عظمى،‭ ‬لكنه‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬منفردا‭ ‬بهذه‭ ‬القوة‭. ‬تلك‭ ‬حقيقة‭ ‬يدركها‭ ‬عدد‭ ‬متزايد‭ ‬من‭ ‬المفكرين‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬نفسه‭. ‬فالتاريخ‭ ‬يتحرك‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬أخرى‭. ‬إنه‭ ‬باختصار‭ ‬فصل‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬دورة‭ ‬التاريخ‭.‬

‭*‬كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني