القرآن عند “عَسْكَريّ” المُسلمين (ع)

| د. جاسم المحاري

لم‭ ‬يحظ‭ ‬التاريخ‭ ‬البشري‭ ‬بكتاب‭ ‬حفظ‭ ‬وقرئ‭ ‬كما‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬الذي‭ ‬برزت‭ ‬أهميته‭ ‬في‭ ‬كونه‭ ‬كلام‭ ‬رب‭ ‬العالمين‭ ‬لهداية‭ ‬البشرية‭ ‬وإصلاحها‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬مناحي‭ ‬حياتها‭. ‬فقد‭ ‬حاز‭ ‬على‭ ‬المنزلة‭ ‬العظيمة‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬الأمم‭ ‬المؤمنة‭ ‬به‭ ‬ليعد‭ ‬عاملاً‭ ‬بارزاً‭ ‬في‭ ‬توحد‭ ‬مساعيهم‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬مصالح‭ ‬دينهم‭ ‬ودنياهم‭ ‬وإيقاظ‭ ‬بواعث‭ ‬الخير‭ ‬فيهم‭ ‬وتوجيه‭ ‬طاقاتهم‭ ‬التعبدية‭ ‬والأخلاقية،‭ ‬وتبيان‭ ‬مصائر‭ ‬الحق‭ ‬والضلال،‭ ‬وحماية‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬الفتن‭ ‬والفواحش‭ ‬والآثام‭ ‬وإرشادهم‭ ‬إلى‭ ‬سنن‭ ‬الثبات‭ ‬التي‭ ‬تستقيم‭ ‬بها‭ ‬حياتهم‭ ‬على‭ ‬بقاع‭ ‬الأرض‭ ‬بالتمكين‭ ‬والاستخلاف‭ ‬والطمأنينة‭ ‬عبر‭ ‬وجوه‭ ‬التعظيم‭ ‬في‭ ‬ممارسات‭ ‬تعلمه‭ ‬وتعليمه‭ ‬وتلاوته‭ ‬آناء‭ ‬الليل‭ ‬وأطراف‭ ‬النهار‭ ‬وسط‭ ‬استحضار‭ ‬يفيض‭ ‬بالخشوع‭ ‬والتفكر‭ ‬والتدبر‭. ‬حظي‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬بالمكانة‭ ‬السامية‭ ‬كأساس‭ ‬للدِين‭ ‬وباب‭ ‬للإسلام‭ ‬ورحمة‭ ‬للإنسانية‭ ‬جمعاء‭ ‬بعدما‭ ‬أودع‭ ‬فيه‭ ‬رب‭ ‬العزة‭ ‬والجلالة‭ ‬الجم‭ ‬من‭ ‬الشرائع‭ ‬والعقائد‭ ‬والمبادئ‭ ‬والسلوكات‭ ‬والحقائق‭ ‬والوقائع،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬حدا‭ ‬فيه‭ ‬بعدئذ‭ ‬وفي‭ ‬حقبة‭ ‬معاصريه‭ ‬حفيد‭ ‬رسولنا‭ ‬الكريم‭ (‬ص‭) ‬الحسن‭ ‬العسكري‭ (‬ع‭) ‬الدفاع‭ ‬المستميت‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬الحادثة‭ ‬المعروفة‭ - ‬التشاغل‭ ‬بالقرآن‭ - ‬التي‭ ‬تعرض‭ ‬فيها‭ ‬فيلسوف‭ ‬العرب‭ ‬البارز‭ ‬آنذاك‭ ‬يعقوب‭ ‬بن‭ ‬إسحاق‭ ‬الكندي‭ ‬للقرآن‭ ‬الكريم‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬أعماله‭ ‬زاعماً‭ ‬تضمن‭ ‬الكتاب‭ ‬الرباني‭ ‬المقدس‭ ‬التناقضات‭ ‬أثناء‭ ‬تحليله‭ ‬النصوص‭ ‬القرآنية‭ ‬من‭ ‬منظوره‭ ‬العلمي‭ ‬والفلسفي‭! ‬فما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الإمام‭ ‬العسكري‭ (‬ع‭) ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬أدحض‭ ‬هذه‭ ‬الادعاءات‭ ‬في‭ ‬سوء‭ ‬فهمها،‭ ‬ودفع‭ ‬بتلك‭ ‬التسويفات‭ ‬بضعف‭ ‬تفسيرها‭ ‬بأن‭ ‬وجه‭ ‬أحد‭ ‬تلامذة‭ ‬الكندي‭ ‬نفسه‭ ‬لمؤانسته‭ ‬في‭ ‬داره‭ ‬ومقارعته‭ ‬بالحجج‭ ‬الواضحات‭ ‬فيما‭ ‬زعمه‭ ‬من‭ ‬تشاغل‭ ‬مزعوم؛‭ ‬ليستجيب‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الأمر‭ ‬برمي‭ ‬مؤلفه‭ ‬في‭ ‬النار‭ ‬وإحراقه‭.‬

نافلة:‭ ‬‮ ‬

حفيد‭ ‬رسول‭ ‬رب‭ ‬العالمين‭ (‬ص‭) ‬الحسن‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ (‬ع‭) ‬الملقب‭ ‬بالعسكري‭ ‬نسبة‭ ‬لمنطقة‭ ‬“العسكر”‭ ‬بمدينة‭ ‬سامراء‭ ‬العراقية،‭ ‬والذي‭ ‬استشهد‭ ‬فيها‭ ‬ظلماً‭ ‬إثر‭ ‬سم‭ ‬نقيع‭ ‬في‭ ‬الثامن‭ ‬من‭ ‬ربيع‭ ‬الأول‭ ‬سنة‭ ‬260هـ‭ ‬وصادفت‭ ‬ذكرى‭ ‬شهادته‭ ‬الأليمة‭ (‬قبل‭ ‬يومين‭)‬،‭ ‬هو‭ ‬ذا‭ ‬صاحب‭ ‬المكانة‭ ‬السامية‭ ‬والمنزلة‭ ‬الرفعية‭. ‬

‭ ‬في‭ ‬الوسط‭ ‬السامرائي‭ ‬الذي‭ ‬ترك‭ ‬بعدها‭ ‬إرثاً‭ ‬إسلامياً‭ ‬ضخماً‭ ‬ترجمته‭ ‬سلسلة‭ ‬الأحاديث‭ ‬ومتون‭ ‬التفاسير‭ ‬في‭ ‬متنوع‭ ‬مسائل‭ ‬الأخلاق‭ ‬وقضايا‭ ‬العقيدة،‭ ‬وما‭ ‬أوردته‭ ‬أمهات‭ ‬الكتب‭ ‬والروايات‭ ‬والمكاتبات،‭ ‬وما‭ ‬أسرده‭ ‬عنه‭ ‬القادة‭ ‬والكتاب‭ ‬والقضاة‭ ‬والفقهاء‭ ‬وسائر‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة‭. ‬السلام‭ ‬عليك‭ ‬أيها‭ ‬الإمام‭ ‬الصامت‭ ‬الهادي‭ ‬الرفيق‭ ‬الزكي‭ ‬النقي،‭ ‬يوم‭ ‬ولدت‭ ‬ويوم‭ ‬استشهدت‭ ‬ويوم‭ ‬تبعث‭ ‬حياً‭ ‬ورحمة‭ ‬منه‭ ‬وبركات‭.‬

‭* ‬كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني