11 سبتمبر.. خدعة الحرب على الإرهاب ونشر الديمقراطية

| سليم مصطفى بودبوس

لعلّ‭ ‬الحقيقة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬استقرّت‭ ‬بعد‭ ‬أحداث‭ ‬11‭ ‬سبتمبر‭ ‬2001‭ ‬هي‭ ‬أنّ‭ ‬وجه‭ ‬التاريخ‭ ‬قد‭ ‬تغيّر‭ ‬حين‭ ‬قرّرت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأميركية‭ ‬تكوين‭ ‬تحالف‭ ‬دولي‭ ‬للقضاء‭ ‬على‭ ‬“الإرهاب”،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اتخذت‭ ‬من‭ ‬الهجوم‭ ‬بالطائرات‭ ‬المدنية‭ ‬على‭ ‬برجَيْ‭ ‬مركز‭ ‬التجارة‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬نيويورك،‭ ‬و‭(‬البنتاغون‭)‬،‭ ‬سببا‭ ‬لما‭ ‬صار‭ ‬يعرف‭ ‬بالحرب‭ ‬على‭ ‬“الإرهاب”‭. ‬لكن‭ ‬ماذا‭ ‬جنت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأميركية؟‭ ‬وماذا‭ ‬جنى‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي‭ ‬خصوصا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬على‭ ‬“الإرهاب”؟

لربّما‭ ‬استطاعت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأميركية‭ ‬تحقيق‭ ‬بعض‭ ‬الانتصارات‭ ‬التكتيكية‭ ‬بالقضاء‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬رموز‭ ‬تنظيم‭ ‬القاعدة‭ (‬بن‭ ‬لادن‭) ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬قادة‭ ‬التنظيمات‭ ‬الإسلامية‭ ‬الجهادية‭ (‬الملا‭ ‬عمر،‭ ‬الزرقاوي‭...) ‬واعتقال‭ ‬بعضهم‭ ‬الآخر،‭ ‬غير‭ ‬أنّها‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬أيٍّ‭ ‬من‭ ‬أهدافها‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬“الإرهاب”‭ ‬والتنظيمات‭ ‬المتشدّدة‭ ‬ونشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬المزعومة‭ ‬على‭ ‬النموذج‭ ‬الأميركي‭. ‬وإذْ‭ ‬أضعُ‭ ‬مصطلح‭ ‬الإرهاب‭ ‬بين‭ ‬ظفرين‭ ‬فلأنّ‭ ‬مفهومه‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬لم‭ ‬يستقرّ،‭ ‬بل‭ ‬لم‭ ‬يتمّ‭ ‬الاتفاق‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬والمنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬بعد‭ ‬على‭ ‬التعريف‭ ‬المناسب‭ ‬للإرهاب‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬109‭ ‬من‭ ‬التعريفات‭ ‬المتداولة‭. ‬وحتى‭ ‬إنْ‭ ‬نظرنا‭ ‬إلى‭ ‬الإرهاب‭ ‬بالمفهوم‭ ‬الأميركي،‭ ‬فإنّه‭ ‬لم‭ ‬يتمّ‭ ‬القضاء‭ ‬عليه‭ ‬نهائيا،‭ ‬بل‭ ‬لربّما‭ ‬سمحت‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬المفتوحة‭ ‬على‭ ‬الإرهاب‭ ‬بأن‭ ‬يتمدّد‭ ‬في‭ ‬عدّة‭ ‬مناطق‭ ‬من‭ ‬أفريقيا‭ ‬وآسيا،‭ ‬وأن‭ ‬يُلقيَ‭ ‬بلهيبه‭ ‬على‭ ‬أوروبا‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬عمليات‭ ‬تفجيرية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬مدنها،‭ ‬كما‭ ‬انشقت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المجموعات‭ ‬عن‭ ‬التنظيم‭ ‬الأم‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬وتولّدت‭ ‬عنه‭ ‬وعن‭ ‬غيره‭ ‬تنظيمات‭ ‬أكثر‭ ‬تشدّدا‭ ‬وعنفا‭ (‬جبهة‭ ‬النصرة،‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬والشام‭ ‬“داعش”‭...) ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬حاضرة‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬خلايا‭ ‬نائمة‭ ‬تنتظر‭ ‬الفرص‭ ‬وتنتهزها،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬مجموعات‭ ‬ميدانية‭ ‬تنفّذ‭ ‬عمليّاتها‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬من‭ ‬غرب‭ ‬وشرق‭ ‬ووسط‭ ‬أفريقيا‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬والساحل‭. ‬بعد‭ ‬عقدين‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭/‬‏‭ ‬الخديعة‭ ‬دفعت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأميركية‭ ‬تكلفة‭ ‬باهظة‭ ‬بلغت‭ ‬7‭ ‬تريليونات‭ ‬من‭ ‬الدولارات‭. ‬

اعتمادا‭ ‬على‭ ‬الرقم‭ ‬الذي‭ ‬صرّح‭ ‬به‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬السابق‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬الخسائر‭ ‬البشرية‭ ‬التي‭ ‬قُدّرت‭ ‬بمقتل‭ ‬7700‭ ‬جندي‭ ‬أميركي‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬الجبهات‭ ‬الرئيسية‭ ‬لتلك‭ ‬الحرب،‭ ‬وفي‭ ‬النهاية‭ ‬انسحبت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬أفغانستان‭ ‬ولم‭ ‬تتوقّف‭ ‬أعمال‭ ‬العنف،‭ ‬ولم‭ ‬تنته‭ ‬طالبان،‭ ‬إنّما‭ ‬جلست‭ ‬معها‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬المفاوضات،‭ ‬حتى‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬الحكم‭.‬

ولم‭ ‬تكن‭ ‬ضريبة‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬باهظة‭ ‬الثمن‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬فحسب،‭ ‬إنّما‭ ‬دفع‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي‭ ‬ضريبة‭ ‬أقسى؛‭ ‬فبعد‭ ‬سنتين‭ ‬من‭ ‬غزو‭ ‬أفغانستان،‭ ‬أعدّت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأميركية‭ ‬ترسانة‭ ‬دولية‭ ‬من‭ ‬السلاح‭ ‬والقرارات‭ ‬الأممية‭ ‬لاجتياح‭ ‬العراق،‭ ‬ومنها‭ ‬بدأ‭ ‬مسلسل‭ ‬تحطم‭ ‬العالم‭ ‬العربي؛‭ ‬فقد‭ ‬غدت‭ ‬العراق‭ ‬بعد‭ ‬تفكيكها‭ ‬أرضا‭ ‬صالحة‭ ‬لنمو‭ ‬الحركات‭ ‬المتطرفة‭ ‬تستفحل‭ ‬وتسقوي‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬طموحها‭ ‬مجرد‭ ‬ضرب‭ ‬المصالح‭ ‬الأميركية‭ ‬كما‭ ‬بدأت‭ ‬مع‭ ‬تنظيم‭ ‬القاعدة،‭ ‬إنما‭ ‬صارت‭ ‬تطمح‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬دولة‭ ‬داخل‭ ‬الدولة‭: ‬لقد‭ ‬أصبحت‭ ‬تطمح‭ ‬إلى‭ ‬الحكم‭.‬

إنّ‭ ‬جلّ‭ ‬التدخّلات‭ ‬الأميركيّة‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬والعراق‭ ‬وسوريا،‭ ‬وقبلها‭ ‬الصومال‭ ‬وفيتنام،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مغامرة‭ ‬لاستعراض‭ ‬القوة‭ ‬ومحاولة‭ ‬لتغيير‭ ‬أنظمة‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البلدان،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬نتائجها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬دوما‭ ‬كما‭ ‬اشتهت‭ ‬رياح‭ ‬من‭ ‬دبّر‭ ‬لها‭.‬