عالم ما بعد الإنسان!

| أسامة مهران

سؤال‭ ‬يطرحه‭ ‬بعض‭ ‬المفكرين‭ ‬على‭ ‬استحياء،‭ ‬ماذا‭ ‬بعد‭ ‬الإنسان؟‭ ‬ويجيبون‭ ‬دون‭ ‬خجل‭: ‬هو‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬صنع‭ ‬الإنسان،‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬غزل‭ ‬يديه،‭ ‬وزراعة‭ ‬كفيه،‭ ‬وعبقرية‭ ‬علمائه،‭ ‬بعد‭ ‬الإنسان‭ ‬ليس‭ ‬بإنسان‭. ‬هكذا‭ ‬يُلمح‭ ‬القانون‭ ‬الغربي‭ ‬الجديد،‭ ‬والشرائع‭ ‬الأرضية‭ ‬الأوروبية‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تأكد‭ ‬لهذه‭ ‬الحضارة‭ ‬أنها‭ ‬غاربة‭ ‬لا‭ ‬محال،‭ ‬وأن‭ ‬القائمين‭ ‬عليها‭ ‬بدأوا‭ ‬في‭ ‬حفلات‭ ‬الوداع‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وأنهم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬سُرادقات‭ ‬للعزاء،‭ ‬أو‭ ‬مواكب‭ ‬لحقن‭ ‬الدماء،‭ ‬في‭ ‬التلويح‭ ‬بالإنسان‭ ‬الآلي‭.. ‬بالروبوت‭. ‬المفكر‭ ‬الكبير‭ ‬البروفيسور‭ ‬نبيل‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬يُخرج‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أوراقه‭ ‬المكدسة‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬الدراسات‭ ‬السياسية‭ ‬والاستراتيجية‭ ‬بصحيفة‭ ‬الأهرام‭ ‬المصرية‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬محبوسًا‭ ‬داخل‭ ‬الصناديق‭ ‬المغلقة،‭ ‬ليصبح‭ ‬مجلجلاً‭ ‬على‭ ‬صفحات‭ ‬المواقع‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬والصحف‭ ‬الورقية،‭ ‬ووسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬تحدث‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬نظرياته‭ ‬عن‭ ‬النُظم‭ ‬القانونية‭ ‬بالغرب،‭ ‬عن‭ ‬التشريعات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وعن‭ ‬اللوائح‭ ‬التي‭ ‬تنظم‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الناس‭.‬

تحدث‭ ‬باستفاضة‭ ‬عن‭ ‬السلطات‭ ‬التشريعية‭ ‬الأورو‭-‬أميركية،‭ ‬وعن‭ ‬الصراعات‭ ‬السياسية‭ ‬حول‭ ‬المصاح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ومناطق‭ ‬النفوذ‭ ‬وتوازنات‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬الاجتماعي‭. ‬و‭.. ‬تحدث‭ ‬عن‭ ‬التاريخ‭ ‬المركب‭ ‬وآثاره‭ ‬على‭ ‬النُظم‭ ‬القانونية‭ ‬الحديثة،‭ ‬وعلى‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬والقانون،‭ ‬ثم‭ ‬ارتقى‭ ‬بالحديث‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر‭ ‬ساحبًا‭ ‬السجادة‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬أقدام‭ ‬الملوحين‭ ‬بأزمة‭ ‬الهوية‭ ‬المتعلقة‭ ‬داخل‭ ‬المنطوق‭ ‬الأممي‭ ‬للأجيال‭ ‬الجديدة،‭ ‬خصوصا‭ ‬هؤلاء‭ ‬المنتمين‭ ‬لأصول‭ ‬عربية‭ ‬وإسلامية‭. ‬تحدث‭ ‬عن‭ ‬ثمانية‭ ‬محاور‭ ‬فجرتها‭ ‬مشكلات‭ ‬الهجرة‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا،‭ ‬وحالة‭ ‬الاندماج‭ ‬“اللاوطني”‭ ‬لأسباب‭ ‬دينية‭ ‬وطائفية،‭ ‬ثم‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الإنسان،‭ ‬وما‭ ‬بعد‭ ‬مغامراته‭ ‬التكنولوجية‭ ‬وغزواته‭ ‬الافتراضية،‭ ‬وصراعاته‭ ‬الثقافية،‭ ‬وها‭ ‬نحن‭ ‬الآن‭ ‬أمام‭ ‬قوى‭ ‬خفية،‭ ‬ليست‭ ‬علوية‭ ‬أو‭ ‬سفلية،‭ ‬لكنها‭ ‬من‭ ‬صنع‭ ‬الإنسان،‭ ‬ماديته‭ ‬الجدلية،‭ ‬نظامه‭ ‬الرأسمالي‭ ‬المعقد،‭ ‬نظرياته‭ ‬وآيديولوجياته‭ ‬المركبة،‭ ‬جميعها‭ ‬يا‭ ‬سيدي‭ ‬المفكر‭ ‬تدور‭ ‬فعلاً‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬قانون‭ ‬غربي‭ ‬صارم‭ ‬يفرض‭ ‬سطوته‭ ‬على‭ ‬غيبيات‭ ‬الأمم‭ ‬المهاجرة،‭ ‬وعلى‭ ‬ممارسات‭ ‬وإشكاليات‭ ‬الأزياء‭ ‬الوافدة،‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الإنسان،‭ ‬وقواه‭ ‬العقلية‭ ‬المعطلة،‭ ‬والتاريخية‭ ‬المحذوفة،‭ ‬والبقائية‭ ‬الزائلة،‭ ‬تم‭ ‬تصريفها‭ ‬في‭ ‬مجار‭ ‬ضحلة‭. ‬

لتفيض‭ ‬بما‭ ‬كان‭ ‬متوقعًا‭ ‬منها‭ ‬قبل‭ ‬عصر‭ ‬البطالة،‭ ‬وبعد‭ ‬ظهور‭ ‬المجد‭ ‬الحديدي‭ ‬الجديد،‭ ‬روبوتات‭ ‬تحرس‭ ‬المصالح‭ ‬الحكومية،‭ ‬ومثلها‭ ‬تجري‭ ‬العمليات‭ ‬الجراحية،‭ ‬ونظيرتها‭ ‬تكشف‭ ‬المصابين‭ ‬بالأوبئة،‭ ‬ظل‭ ‬يفقد‭ ‬ظله‭ ‬ويظل‭ ‬في‭ ‬عهدة‭ ‬التاريخ‭ ‬المأزوم،‭ ‬من‭ ‬يكتبه‭ ‬يا‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الإنسان،‭ ‬هل‭ ‬يصنعه‭ ‬ذكاء‭ ‬اصطناعي،‭ ‬أو‭ ‬إنسان‭ ‬آلي،‭ ‬أو‭ ‬رفيق‭ ‬طريق‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬الأفاتاري‭ ‬الرقيق؟‭ ‬السؤال‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬الزي‭ ‬الرسمي‭ ‬لبديهيات‭ ‬الأشياء،‭ ‬والهوس‭ ‬التكنولوجي‭ ‬المحمل‭ ‬بفيروسات‭ ‬هاربة‭ ‬من‭ ‬معامل‭ ‬تجارب‭ ‬ضد‭ ‬الإنسانية،‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الإنسان،‭ ‬تركتها‭ ‬يا‭ ‬صديقي‭ ‬خاوية‭ ‬الملامح،‭ ‬صادقة‭ ‬المحيا،‭ ‬ومتخطية‭ ‬للخطوط‭ ‬الحمراء،‭ ‬شجاعتك‭ ‬يا‭ ‬دكتور‭ ‬نبيل‭ ‬سوف‭ ‬تودي‭ ‬بنا‭ ‬إلى‭ ‬براحة‭ ‬التفكير‭ ‬العميق‭ ‬فيما‭ ‬نحن‭ ‬فيه‭ ‬وما‭ ‬كنا‭ ‬عليه،‭ ‬حذرتنا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تعلق‭ ‬الجرس‭ ‬في‭ ‬رقبة‭ ‬القط،‭ ‬ربما‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬قط‭ ‬ولا‭ ‬يوجد‭ ‬جرس‭ ‬في‭ ‬الأساس،‭ ‬وربما‭ ‬يوحي‭ ‬إلينا‭ ‬من‭ ‬قوى‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬فوقية‭ ‬ولا‭ ‬سفلية،‭ ‬فنرفع‭ ‬أيدينا‭ ‬عن‭ ‬زمن‭ ‬كاد‭ ‬يودي‭ ‬بنا‭ ‬إلى‭ ‬التهلكة،‭ ‬وكدنا‭ ‬نذهب‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يحمد‭ ‬عقباه،‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬أول‭ ‬الزمان‭ ‬يا‭ ‬صديقي،‭ ‬أم‭ ‬هو‭ ‬منتهاه؟‭!.‬