جنين.. غزّة (2)

| سليم مصطفى بودبوس

لم‭ ‬ير‭ ‬العالم‭ ‬أشدّ‭ ‬ظلما‭ ‬ولا‭ ‬أقسى‭ ‬تدميرا‭ ‬مما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬والمخيمات‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية،‭ ‬ولاسيما‭ ‬مخيّم‭ ‬جنين،‭ ‬هذا‭ ‬المخيم‭ ‬الذي‭ ‬دخل‭ ‬على‭ ‬خط‭ ‬الإبادة‭ ‬والتدمير‭ ‬الشامل‭ ‬منذ‭ ‬أيام‭.. ‬هذا‭ ‬المخيم‭ ‬الذي‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬غزة‭ ‬صغيرة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬ليتصدّر‭ ‬المشهد‭ ‬من‭ ‬جديد؛‭ ‬فمخيم‭ ‬جنين‭ ‬يملك‭ ‬تاريخا‭ ‬طويلا‭ ‬من‭ ‬النضال‭ ‬والصمود‭ ‬مثلما‭ ‬يملك‭ ‬فيه‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬تاريخا‭ ‬أسود‭ ‬من‭ ‬القتل‭ ‬بدم‭ ‬بارد‭ ‬والتهجير‭ ‬والفساد‭ ‬في‭ ‬الأرض‭.‬

يقع‭ ‬مخيم‭ ‬جنين‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬جنين‭ ‬إلى‭ ‬الجانب‭ ‬الغربي‭ ‬من‭ ‬المدينة،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬مخيّمات‭ ‬اللاجئين‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬وأُقيم‭ ‬عام‭ ‬1953،‭ ‬وكان‭ ‬الغرض‭ ‬من‭ ‬إنشائه‭ ‬هو‭ ‬إيواء‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬الذين‭ ‬نزحوا‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬استمرّت‭ ‬بين‭ ‬العامين‭ ‬1948‭ ‬و1949‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬إعلان‭ ‬قيام‭ ‬دولة‭ ‬الاحتلال،‭ ‬ويمتدّ‭ ‬مخيم‭ ‬جنين‭ ‬على‭ ‬مساحة‭ ‬0‭.‬42‭ ‬كم‭ ‬مربع،‭ ‬ويسكنه‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬الـ‭ ‬27‭ ‬ألف‭ ‬ساكن،‭ ‬وبذلك‭ ‬يعدّ‭ ‬ثاني‭ ‬أكبر‭ ‬مخيّم‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬بعد‭ ‬مخيم‭ ‬بلاطة‭. ‬وقد‭ ‬جاء‭ ‬هذا‭ ‬الاجتياح‭ ‬الأخير‭ ‬للمخيم‭ ‬بعد‭ ‬سلسلة‭ ‬عمليات‭ ‬أخذت‭ ‬منحى‭ ‬تصاعدياً‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬ومخيّمها،‭ ‬وقد‭ ‬أعاد‭ ‬اجتياح‭ ‬مخيم‭ ‬جنين‭ ‬منذ‭ ‬أيام‭ ‬إلى‭ ‬الأذهان‭ ‬اجتياح‭ ‬المخيم‭ ‬عام‭ ‬2002،‭ ‬واجتياحه‭ ‬عام‭ ‬2021،‭ ‬ولاسيما‭ ‬بعد‭ ‬تشكّل‭ ‬كتائب‭ ‬للمقاومة‭ ‬في‭ ‬المخيم،‭ ‬وكذلك‭ ‬بعد‭ ‬عملية‭ ‬“نفق‭ ‬الحرية”،‭ ‬والتي‭ ‬أسفرت‭ ‬عن‭ ‬هروب‭ ‬6‭ ‬أسرى‭ ‬فلسطينيين‭ ‬من‭ ‬سجن‭ ‬جلبوع‭ ‬وإعادة‭ ‬اعتقالهم‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬2021،‭ ‬و”معركة‭ ‬سيف‭ ‬القدس”‭ ‬في‭ ‬مايو‭ ‬2021‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬المخيم‭ ‬بمنأى‭ ‬عمّا‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬منذ‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر؛‭ ‬فقد‭ ‬خرج‭ ‬المخيم‭ ‬عن‭ ‬بوتقة‭ ‬التنسيق‭ ‬الأمني،‭ ‬وتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬رمزية،‭ ‬لذلك‭ ‬يعمد‭ ‬الاحتلال‭ ‬إلى‭ ‬تدمير‭ ‬هذه‭ ‬الحالة،‭ ‬ومعاقبة‭ ‬أهل‭ ‬المخيم‭ ‬بالآليات‭ ‬والجرافات‭ ‬التي‭ ‬دمرت‭ ‬البنى‭ ‬التحتية‭ ‬وجرفت‭ ‬الطرق‭ ‬وضربت‭ ‬شبكات‭ ‬المياه‭ ‬والصرف‭ ‬الصحي‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬تدميرية‭ ‬ممنهجة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬القضاء‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬المقاومة‭ ‬فقط،‭ ‬إنما‭ ‬على‭ ‬الوجود‭ ‬الفلسطيني‭ ‬كيفما‭ ‬كان‭.‬

لقد‭ ‬تحوّل‭ ‬مخيّم‭ ‬جنين‭ ‬ومنذ‭ ‬مدة‭ ‬إلى‭ ‬صورة‭ ‬مصغّرة‭ ‬لما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬وهل‭ ‬ينسى‭ ‬كل‭ ‬ضمير‭ ‬حيّ‭ ‬قتل‭ ‬الطفل‭ ‬آدم‭ ‬الغول‭ (‬8‭ ‬سنوات‭) ‬بدم‭ ‬بارد‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬فرعي‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬البساتين‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬جنين،‭ ‬وقد‭ ‬وثّقت‭ ‬الكاميرا‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬الجبانة‭ ‬التي‭ ‬استهدف‭ ‬فيها‭ ‬جنود‭ ‬الاحتلال‭ ‬وهم‭ ‬ينسحبون‭ ‬من‭ ‬المخيم‭ ‬الطفل‭ ‬آدم‭ ‬ابن‭ ‬الثماني‭ ‬سنوات‭ ‬والذي‭ ‬ظنّ‭ ‬أنّ‭ ‬الأطفال،‭ ‬وقد‭ ‬قالوا‭ ‬سلاما،‭ ‬يكونون‭ ‬بمنأى‭ ‬عن‭ ‬العملية‭ ‬العسكرية‭. ‬لكن‭ ‬هيهات‭.. ‬إنهم‭ ‬جنود‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬يا‭ ‬بنيّ‭.‬

نعم‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الاحتلال‭ ‬الصهيوني‭: ‬يعربد‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى،‭ ‬يواصل‭ ‬سياسته‭ ‬الممنهجة‭ ‬لإجبار‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬على‭ ‬إخلاء‭ ‬منازلهم‭ ‬والنزوح‭ ‬قسريا‭ ‬إلى‭ ‬اللامكان‭ ‬أو‭ ‬الإبادة،‭ ‬فإن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬بالنار‭ ‬فبالتجويع‭ ‬والحرمان‭ ‬من‭ ‬أساسيات‭ ‬الحياة‭ ‬كالماء‭ ‬والكهرباء‭ ‬والمستشفيات‭.. ‬لعلّه‭ ‬السيناريو‭ ‬ذاته‭ ‬أمس‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬واليوم‭ ‬في‭ ‬جنين‭ ‬وغدا‭ ‬في‭ ‬نابلس‭ ‬ولربما‭ ‬قريبا‭ ‬في‭ ‬أريحا‭ ‬وهكذا‭.‬

لكن‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يسعى‭ ‬الاحتلال‭ ‬إلى‭ ‬إخراج‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬من‭ ‬الجغرافيا‭ ‬بقوة‭ ‬الحديد‭ ‬والنار،‭ ‬يدخل‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأبطال‭ ‬إلى‭ ‬التاريخ‭ ‬بقوة‭ ‬الإرادة‭ ‬والإصرار‭ ‬ليسطّروا‭ ‬أروع‭ ‬البطولات‭ ‬التي‭ ‬تحفظ‭ ‬لعروبتنا‭ ‬بعض‭ ‬ماء‭ ‬الوجه‭.‬