بث مباشر

| أسامة مهران

قد‭ ‬تكون‭ ‬المرة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬أظهر‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬إحدى‭ ‬المنصات‭ ‬المخصصة‭ ‬لما‭ ‬يسمى‭ ‬بـ‭ ‬“البث‭ ‬المباشر”،‭ ‬ليلة‭ ‬لا‭ ‬تُنسى،‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬“مبثوثًا”‭ ‬متشاركًا‭ ‬مع‭ ‬أحد‭ ‬الشباب‭ ‬المتمرسين‭ ‬على‭ ‬الظهور‭ ‬العفوي،‭ ‬على‭ ‬الكلام‭ ‬بأريحية‭ ‬مع‭ ‬الناس،‭ ‬مع‭ ‬أبسط‭ ‬الناس،‭ ‬لا‭ ‬ربطة‭ ‬عنق،‭ ‬لا‭ ‬سياسة،‭ ‬لا‭ ‬ثقافة،‭ ‬لا‭ ‬مناقشات‭ ‬ثقيلة‭ ‬الدم‭.. ‬الكل‭ ‬يتحدث‭ ‬من‭ ‬فوق‭ ‬“أريكة”‭ ‬وثيرة،‭ ‬ليس‭ ‬حزبًا‭ ‬لـ‭ ‬“كنبة”‭ ‬فهؤلاء‭ ‬يرفضون‭ ‬التسمية،‭ ‬لكنها‭ ‬فعلاً‭ ‬“كنبة”،‭ ‬يتحدث‭ ‬فيها‭ ‬كل‭ ‬مشارك‭ ‬بحرية،‭ ‬ببساطة،‭ ‬بحيوية،‭ ‬بطرح‭ ‬مشكلات‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬حقائب‭ ‬المدارس‭ ‬ونحن‭ ‬على‭ ‬أبواب‭ ‬عام‭ ‬دراسي‭ ‬جديد،‭ ‬تكاليف‭ ‬الحياة‭ ‬المعيشية‭ ‬الثقيلة،‭ ‬وكيفية‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬عنق‭ ‬زجاجة‭ ‬الأزمة‭ ‬بتصديرها،‭ ‬وآلية‭ ‬زيادة‭ ‬الدخل‭ ‬الشهري‭ ‬بالقفز‭ ‬فوق‭ ‬الحقائق‭ ‬كلها‭. ‬بث‭ ‬مباشر،‭ ‬طرح‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬لقضايا‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬الأهمية،‭ ‬لا‭ ‬يشترط‭ ‬الخبرة‭ ‬في‭ ‬المتحدث،‭ ‬ولا‭ ‬الكفاءة‭ ‬وربما‭ ‬حتى‭ ‬القبول،‭ ‬لا‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬الفصحى،‭ ‬ولا‭ ‬إتقان‭ ‬العلوم‭ ‬والآداب‭ ‬والفنون،‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هنالك‭ ‬شجاعة‭ ‬المواجهة،‭ ‬عشق‭ ‬الظهور‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭ ‬الفضية‭ ‬الأصغر،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬ميكروفون‭ ‬المتابعة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ظهور‭ ‬الصورة‭.‬

ملايين‭ ‬المتابعين‭ ‬ينشطون‭ ‬أمامك‭ ‬فجأة،‭ ‬يطرحون‭ ‬أعقد‭ ‬القضايا،‭ ‬يتحدثون‭ ‬في‭ ‬“أروع‭ ‬القصص”،‭ ‬ويفجرون‭ ‬أغرب‭ ‬العجائب،‭ ‬حسن‭ ‬الحظ‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬أخرجني‭ ‬من‭ ‬النور‭ ‬إلى‭ ‬النور،‭ ‬من‭ ‬الفضائيات‭ ‬العملاقة‭ ‬إلى‭ ‬كف‭ ‬اليد‭ ‬الصغيرة،‭ ‬ومن‭ ‬الموضوعات‭ ‬الجادة،‭ ‬إلى‭ ‬الأخرى‭ ‬الأكثر‭ ‬تداولاً‭ ‬وشعبية،‭ ‬ومن‭ ‬القوانين‭ ‬الصارمة،‭ ‬إلى‭ ‬الحرية‭ ‬المُطلقة‭. ‬فكرت‭ ‬وأنا‭ ‬أتابع‭ ‬حواري‭ ‬مع‭ ‬أحد‭ ‬الشباب‭ ‬أن‭ ‬أطرح‭ ‬عليه‭ ‬فكرة‭ ‬تقنين‭ ‬المشاهد‭ ‬كلها،‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬الترتيب‭ ‬بل‭ ‬والتركيز‭ ‬على‭ ‬موضوع‭ ‬محدد،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الشتات‭ ‬الذي‭ ‬يقود‭ ‬المشاهد‭ ‬بل‭ ‬والمجتمع‭ ‬كله‭ ‬إلى‭ ‬التشتت،‭ ‬خوفي‭ ‬من‭ ‬الطرح‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يتهمني‭ ‬شباب‭ ‬اليوم‭ ‬بأنني‭ ‬“دقة‭ ‬قديمة”،‭ ‬وأنه‭ ‬قد‭ ‬تجاوزني‭ ‬الزمن،‭ ‬وأنني‭ ‬أغني‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬ليلاي،‭ ‬خوفي‭ ‬من‭ ‬المغامرة‭ ‬منعني‭ ‬من‭ ‬القيام‭ ‬بهذه‭ ‬المغامرة،‭ ‬قد‭ ‬تورطت‭ ‬في‭ ‬الحوار‭ ‬مع‭ ‬الصديق‭ ‬الشاب‭ ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬“الفتاة‭ ‬زبادي”‭.‬

تلك‭ ‬التي‭ ‬التف‭ ‬عليها‭ ‬شباب‭ ‬المنصات‭ ‬لينالوا‭ ‬من‭ ‬اسمها‭ ‬وأصلها‭ ‬وفصلها،‭ ‬وعندما‭ ‬حاول‭ ‬الزميل‭ ‬بلال‭ ‬فضل‭ ‬في‭ ‬روايته‭ ‬الشهيرة‭ ‬–‭ ‬لا‭ ‬أذكر‭ ‬اسمها‭ ‬بالتحديد‭ - ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الفتاة‭ ‬واستخلاصها‭ ‬من‭ ‬براثن‭ ‬ذئاب‭ ‬“السوشال”،‭ ‬اعتدوا‭ ‬عليه‭ ‬لفظًا‭ ‬وسخريةً‭ ‬وسبًا‭ ‬وتعريضًا‭ ‬وتنكيلاً،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬لذّ‭ ‬وطاب‭ ‬من‭ ‬ألفاظ‭ ‬نابية‭.‬

رغم‭ ‬الفارق‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬أمام‭ ‬شاب‭ ‬مثقف‭ ‬مؤدب‭ ‬على‭ ‬“البث”،‭ ‬وزميلي‭ ‬بلال‭ ‬أمام‭ ‬جوقة‭ ‬على‭ ‬شاكلة‭ ‬مطربي‭ ‬المهرجانات،‭ ‬رغم‭ ‬عدم‭ ‬جواز‭ ‬المقارنة،‭ ‬إلا‭ ‬أنني‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬أُخضِع‭ ‬نفسي‭ ‬للمقارنة،‭ ‬هل‭ ‬كنت‭ ‬موفقًا‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬مشاركة‭ ‬بأول‭ ‬“بث”‭ ‬أم‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬دخيلاً‭ ‬على‭ ‬شباب‭ ‬اليوم،‭ ‬وضيفًا‭ ‬ثقيلاً‭ ‬على‭ ‬جماهير‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬النوم؟‭.‬