ذاكرة وطن

| أسامة مهران

عندما استمعت في طفولتي لأغنية “وطني وصبايا وأحلامي” التي كتبها شاعر “يا مالكًا قلبي” أحمد مخيمر، والتي شدا بها عبدالحليم حافظ في سبعينيات القرن الماضي، لم أكن أتصور أن شبح هذه الأغنية سيطاردني إلى وطني الحبيب البحرين، إلى مملكة الحب والخيال والشعر والخلود، إلى تلك العيون التي تفتحت، ومجاري المياه التي أينعت، وعناصر الحياة التي مازالت توحي بأن الخلود لا يترك إلا خلودًا، والوجود هو الوجود كله. ذاكرة وطن، عنوان اقتحم عليَّ وحدتي وأنا أحاول البحث في ذكريات الثمانينيات والتسعينيات والألفية البحرينية المجيدة، المشروع الإصلاحي الكبير لحضرة صاحب الجلالة الملك المعظم، والمشاريع الإصلاحية المتفرعة التي تولاها ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، حفظهما الله ورعاهما، ومتابعة كل شاردة وكل واردة فيها، وهي: “إصلاح سوق العمل، إصلاح التعليم، إصلاح الاقتصاد”، وقد كنت سعيد الحظ أنني تشرفت وكنت ضمن الفرق البحثية المشاركة في المناقشات، بل والكتابة والنقل المحايد لكل الآراء في الصحف البحرينية والخليجية آنذاك. وأحمد الله وأشكر فضله أن قطار العمر أمهلني رؤية ما نتجت عنه كل هذه المشاريع الإصلاحية الخلاقة، حتى وصلنا إلى رؤيتي 2030 و2050، وإلى فريق البحرين الذي ساهم في وضع الأسس العلمية والعملية لتجنيب مملكة البحرين ويلات وآثار جائحة كورونا، حتى خرج الوطن أقوى مما كان، وأكثر منعة من ذي قبل. وها نحن اليوم أمام العديد من المصطلحات النهضوية التي يحاول كل في موقعه تحقيقها على أرض الواقع. أول هذه المصطلحات، التنمية المستدامة، حيث إن فريق البحرين وجهود الحكومة ومنظومة التفكير الرسمية والإطارية، المادية والمعنوية، النظرية والعملية، تضع تطبيقًا محددًا لكي يصبح النماء المستدام حقيقة واقعة، وأن تكون التنمية الممتدة إلى عام 2050 واقعا يعيشه كل مواطن.  مشروع إصلاح التعليم جاء إلينا بكشف حساب طويل لما كان عليه التعليم الأولي والأكاديمي، ثم ما تمخض عنه الأخير بإنشاء جامعات خاصة أصبح لها من الأثر والتأثير ما يضعنا في مصاف الدول التي سبقتنا في هذا المضمار. سوق العمل، ما له وما عليه، مازال البحث والتقصي من أجل أن يكون البحريني الموظف المفضل لدى القطاع الخاص، ومازال المشروع حيًّا، مؤثرًا، وجديرًا بالتعاطي. أما إصلاح الاقتصاد، فقد تم اتخاذ خطوات بعيدة المدى أهمها تحقيق التوازن المالي، وكبح التضخم، وتوفير السيولة اللازمة للمشاريع الكبرى والصغيرة والمتوسطة ضمن آليات محددة، وأخيرًا ابتكار سياسة تنويع التنويع – أي البناء على ما فات من دون هدم للمراحل والإحداثيات. هذه كلها والتي يمكن إدراجها ضمن ثانيًا وثالثًا وأخيرًا، تصب باتجاه محدد، هو أن يتمتع اقتصادنا بقوة إضافية، ونستطيع الانتصار على الأزمات المالية الوافدة، والأوضاع الخاصة بالنفط وأسعار الفائدة العالمية، وحالة العلاقات التجارية في الإقليم. كل ذلك يدخل بي إلى ذاكرة الوطن مستعينًا بمشهد خلاق لن أنساه، ومؤسسات فاعلة تُراجِع أثرها وتأثيرها، وتراث إنساني يترجم كيف جاءت حضارة دلمون أو تايلوس أو أوال من رحم التاريخ، لتعكس كيف كان الأجداد يواجهون قوة الكون بإرادة الإنسان، وغدر الطبيعة بدوره في بناء الحضارة، “تلال عالي ومقابر سار وباربار ومجاري العيون تحت البيوت في القرى، وبين الأنفاق في الريف البحريني العميق”، وللحديث بقية.

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية