الوقائع بين التدوين والنظر والتحقيق
| كمال الذيب
صحيح أن للحكايات أكثر من وجه، وأنها قد تتغير بتغير الراوي والرواة، وأن الوقائع قد تكون عرضة للتغيير والتعديل والتكييف بحسب الموقع والموقف، لكن ليس المهم هو الإخبار عن الوقائع، بل المهم النظر والتحقيق، وفقا لتعريف ابن خلدون.. فالتاريخ عنده “في ظاهره لا يزيد على الإخبار عن الأيام والدول، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها”، وبغض النظر إن كان ابن خلدون قد التزم بهذا التعريف في تدوينه للتاريخ في كتابه فإن التعريف يظل صحيحا ودقيقا وملهما للباحثين. وفي اتجاه معاكس لهذا المنظور لتدوين الروايات عن الوقائع أو في النظر والتحقيق، تداهمنا اليوم موجات من التدوين وإعادة التدوين على نحو لافت لتكييف الوقائع أو إعادة بنائها وانتقائها وترتيبها على نحو يوصل رسالة سياسية بغض النظر عن مدى صحة الوقائع أو تأويلها وتدقيقها، فليس المهم هنا هو الحقيقة، إنما ما يجري تلبيسه وترتيبه للقول آيديولوجيا. لا نتحدث هنا عن الكذب الممنهج والمقصود لمجرد هتك صورة على حساب الحقيقة وشرف الكلمة المسؤولة، إنما نتحدث عن وقائع التاريخ الموثقة، عن الحقيقة التي ستدرسها الأجيال القادمة في كتب التاريخ في المستقبل، وهذه الروايات المروية موثقة كل كلمة فيها وكل صورة من صورها، ولا يستطيع الواحد أن يتبرأ منها بأي شكل من الأشكال، حيًّا أو ميّتا. فالذي يقدم على مثل هذا التلبيس وفقا لمصطلح ابن الجوزي في “تلبيس إبليس”، هو أول من يعلم أنه يلبس بعيدا عن الحق، لأن كل كلمة في هذا الزمان موثقة، ويمكن استعادتها صوتاً وصورة في أي وقت، ويمكن مقارنة الوقائع مع أكثر من مصدر لإدراك مرارة الحقيقة وصعوبة ابتلاعها أحيانا، لأن الذين لا يتحلون بالنزاهة العلمية والأخلاقية لا يمكن أن يحملوا مشروعاً أو قدرة على المشاركة في إعادة بناء المجتمع وإصلاح أحواله. أمام طوفان الدجل الذي قد يلبس شكل العلم أو الثرثرة القائمة على التلبيس قد يصاب القارئ بالغثيان من حجم الادعاء، ومن حجم الحكمة المزيفة، من دون علم أو دراية أو نزاهة، حتى أصبحت الحقيقة ضائعة. * كاتب وإعلامي بحريني