تحوُّلات الأفق الاقتصادي

| د. خالد الوزني

المؤشرات‭ ‬العالمية‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬العالم‭ ‬يتجه‭ ‬في‭ ‬الربع‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬الجاري‭ ‬نحو‭ ‬تحقيق‭ ‬مستهدفات‭ ‬التضخُّم،‭ ‬والبطالة،‭ ‬وقليل‭ ‬من‭ ‬مستهدفات‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭. ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وبريطانيا‭ ‬والعديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬مجموعة‭ ‬السبع‭ ‬الكبار‭ ‬بدأت‭ ‬تضبط‭ ‬إيقاع‭ ‬معدلات‭ ‬تضخُّم‭ ‬لتقترب‭ ‬من‭ ‬2‭ %‬،‭ ‬وتشهد‭ ‬تطوُّرات‭ ‬إيجابية‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬معدلات‭ ‬البطالة،‭ ‬وتوليد‭ ‬الوظائف‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬العام‭ ‬الجاري‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬فعلاً‭ ‬عام‭ ‬إعادة‭ ‬التوازنات،‭ ‬كما‭ ‬تمَّت‭ ‬الإشارة‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬سابق‭. ‬بيد‭ ‬أنَّ‭ ‬المؤشرات‭ ‬الاستشرافية‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬السنوات‭ ‬الخمس‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬العقد‭ ‬ستكون‭ ‬ارتدادة‭ ‬إيجابية‭ ‬تدريجية‭ ‬نحو‭ ‬معدلات‭ ‬نمو‭ ‬أفضل،‭ ‬وتوسُّع‭ ‬اقتصادي‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬الدول‭ ‬الناشئة‭ ‬والمتقدمة‭ ‬على‭ ‬حدٍّ‭ ‬سواء‭. ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يحدُّ‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬قضيتان؛‭ ‬الأولى‭ ‬توسُّع‭ ‬العمليات‭ ‬الحربية‭ ‬بين‭ ‬روسيا‭ ‬وأوكرانيا،‭ ‬ودخول‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬خطوط‭ ‬المواجهة،‭ ‬والثانية‭ ‬تحوُّل‭ ‬الانتخابات‭ ‬الأميركية‭ ‬نحو‭ ‬الحزب‭ ‬الجمهوري،‭ ‬والرجوع‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬السياسات‭ ‬الحمائية،‭ ‬وإلى‭ ‬فرض‭ ‬مزيدٍ‭ ‬من‭ ‬القيود‭ ‬على‭ ‬التحرُّكات‭ ‬الاستثمارية‭ ‬خارج‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والتوسُّع‭ ‬في‭ ‬فرض‭ ‬العقوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬غير‭ ‬العادلة‭ ‬على‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬التي‭ ‬تخالف‭ ‬توجُّهات‭ ‬ترامب‭ ‬وفريقه،‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬القضيتين،‭ ‬فإنِّ‭ ‬التوجُّهات‭ ‬العالمية،‭ ‬التي‭ ‬يقودها‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬بشكلٍ‭ ‬أساسيٍّ،‭ ‬ستقود‭ ‬إلى‭ ‬معدلات‭ ‬نمو‭ ‬حقيقي‭ ‬قد‭ ‬تتجاوز‭ ‬4‭% ‬بحسب‭ ‬كثيرٍ‭ ‬من‭ ‬التوقُّعات‭ ‬العالمية‭. ‬وتتوزَّع‭ ‬تلك‭ ‬التوجُّهات‭ ‬بين‭ ‬القطاعات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المختلفة،‭ ‬حيث‭ ‬تشير‭ ‬التوقُّعات‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬قطاع‭ ‬الصناعات‭ ‬التحويلية‭ ‬سيحظى،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬بتوليد‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬من‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬تتجاوز‭ ‬3‭.‬5‭ ‬تريليونات‭ ‬دولار‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2030‭. ‬وقد‭ ‬يتجاوز‭ ‬الأمر‭ ‬ذلك‭ ‬المبلغ‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الزراعة،‭ ‬وقطاع‭ ‬الخدمات،‭ ‬وخاصة‭ ‬الخدمات‭ ‬العامة‭. ‬وتشير‭ ‬بعض‭ ‬الدراسات‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي‭ ‬سيحظى،‭ ‬نتيجة‭ ‬توظيف‭ ‬تطبيقات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬بقيمة‭ ‬مضافة‭ ‬تتجاوز‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬المقبل،‭ ‬وهي‭ ‬تطبيقات‭ ‬يُتوقَّع‭ ‬أن‭ ‬تدخل‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬90‭% ‬من‭ ‬الوظائف‭ ‬القائمة‭. ‬الشاهد‭ ‬أنَّ‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬سياسات‭ ‬مالية‭ ‬ونقدية‭ ‬أقل‭ ‬حدة‭ ‬ممّا‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬الوضع‭ ‬قبل‭ ‬عامين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬بات‭ ‬واضحاً‭ ‬في‭ ‬توجُّهات‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬العالمية،‭ ‬التي‭ ‬يقودها‭ ‬الفيدرالي‭ ‬الأميركي،‭ ‬بداية‭ ‬بتثبيت‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬للمرة‭ ‬السابعة‭ ‬على‭ ‬التوالي‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬عام‭ ‬2023،‭ ‬ومن‭ ‬ثمَّ‭ ‬البدء‭ ‬بتخفيضها‭ ‬خلال‭ ‬الشهر‭ ‬المقبل‭. ‬الاقتصادات‭ ‬العالمية‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬بالتخطيط‭ ‬لمزيدٍ‭ ‬من‭ ‬التوسُّع،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬الاقتراض‭ ‬والاختباء‭ ‬وراء‭ ‬عجز‭ ‬الموازنات‭ ‬العامة،‭ ‬وإنما‭ ‬نحو‭ ‬اقتناص‭ ‬مشاريع‭ ‬الشراكة‭ ‬الكبرى،‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬البُعد‭ ‬الإنتاجي‭ ‬المولِّد‭ ‬للوظائف‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬الصناعة‭ ‬التحويلية،‭ ‬وفي‭ ‬الزراعة‭ ‬والأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬بشكلٍ‭ ‬أساسيٍّ،‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الجامدة‭ ‬التي‭ ‬تولِّد‭ ‬تكاليف‭ ‬إدامة‭ ‬وصيانة‭ ‬أكثر‭ ‬ممّا‭ ‬تولِّد‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬إنتاجية‭ ‬ووظائف‭ ‬مستدامة‭.‬