صفقة وصفاقة

| سليم مصطفى بودبوس

كلما‭ ‬مرّت‭ ‬بي‭ ‬كلمة‭ ‬صفقة‭ ‬انتابني‭ ‬شعور‭ ‬بأنها‭ ‬ستكون‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الفشل‭ ‬أو‭ ‬الانتهازية‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬شابه‭ ‬ذلك؛‭ ‬فكلمة‭ ‬صفقة‭ ‬ارتبطت‭ ‬في‭ ‬مخيّلتي‭ ‬باستغلال‭ ‬طرف‭ ‬لواقع‭ ‬محدّد‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬طرف‭ ‬آخر،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬ظاهرها‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬مصلحة‭ ‬للطرفين،‭ ‬ولنا‭ ‬في‭ ‬صفقة‭ ‬القرن‭ ‬خير‭ ‬مثال‭. ‬تحضرني‭ ‬هذه‭ ‬الهواجس‭ ‬الآن‭ ‬عند‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬مفاوضات‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬ووصفها‭ ‬بصفقة‭ ‬قد‭ ‬يتمّ‭ ‬بمقتضاها‭ ‬تبادل‭ ‬الأسرى‭ ‬المحتجزين‭ ‬لدى‭ ‬حركة‭ ‬المقاومة‭ ‬الإسلامية‭ ‬حماس‭ ‬بآخرين‭ ‬فلسطينيين‭ ‬معتقلين‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬سجون‭ ‬الاحتلال‭ ‬مع‭ ‬تحقيق‭ ‬بعض‭ ‬المكاسب‭ ‬لأهالي‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬مثل‭ ‬رفع‭ ‬الحصار‭ ‬وربما‭ ‬إعادة‭ ‬الإعمار‭.‬

هذه‭ ‬الصفقة‭ ‬ظلت‭ ‬تراوح‭ ‬مكانها،‭ ‬وظلّت‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬متواصلة‭ ‬دون‭ ‬هوادة،‭ ‬ليطل‭ ‬علينا‭ ‬منذ‭ ‬أيام‭ ‬قليلة‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الأميركي‭ ‬أنتوني‭ ‬بلينكن‭ ‬ويعلن‭ ‬أنّ‭ ‬رئيس‭ ‬وزراء‭ ‬إسرائيل‭ ‬قبِل‭ ‬المقترح‭ ‬الأميركي‭ ‬الجديد،‭ ‬ثم‭ ‬لا‭ ‬يلبث‭ ‬نتنياهو‭ ‬نفسه‭ ‬ليعود‭ ‬بعد‭ ‬ساعات‭ ‬ويجدد‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬شروطه‭ ‬بما‭ ‬يعني‭ ‬عمليا‭ ‬إبطال‭ ‬صفقة‭ ‬تبادل‭ ‬الأسرى‭. ‬أما‭ ‬حركة‭ ‬المقاومة‭ ‬حماس،‭ ‬فقد‭ ‬ظلت‭ ‬ثابتة‭ ‬على‭ ‬موقفها‭ ‬معربة‭ ‬عن‭ ‬التزامها‭ ‬واستعدادها‭ ‬الفوري‭ ‬لتنفيذ‭ ‬ما‭ ‬وافقت‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬2‭ ‬يوليو‭ ‬الماضي،‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬إعلان‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬جو‭ ‬بايدن‭ ‬يوم‭ ‬31‭ ‬مايو‭ ‬الماضي‭ ‬وقرار‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬رقم‭ ‬2735‭ ‬بتاريخ‭ ‬11‭ ‬يونيو‭ ‬الماضي‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يسعى‭ ‬فيه‭ ‬الوسطاء‭ ‬إلى‭ ‬جعل‭ ‬بنود‭ ‬هذا‭ ‬المقترح‭ ‬واقعا‭ ‬ملموسا،‭ ‬يردّ‭ ‬نتنياهو‭ ‬بمزيد‭ ‬من‭ ‬المجازر‭ (‬مجزرة‭ ‬المواصي،‭ ‬مجزرة‭ ‬مدرسة‭ ‬التابعين‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬الدرج‭ ‬في‭ ‬غزة‭..)‬،‭ ‬ويزيد‭ ‬في‭ ‬وتيرة‭ ‬الاغتيال‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬يتفاوض‭ ‬معهم‭ (‬اغتيال‭ ‬رئيس‭ ‬الحركة‭ ‬إسماعيل‭ ‬هنية‭ ‬في‭ ‬طهران‭..)‬،‭ ‬ومن‭ ‬جهتها‭ ‬تتهم‭ ‬الإدارة‭ ‬الأميركية‭ ‬حماس‭ ‬بالتراجع‭ ‬عن‭ ‬الاتفاق‭. ‬وتحت‭ ‬هذا‭ ‬الغطاء،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬الصمت‭ ‬الدولي‭ ‬والعجز‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي،‭ ‬يرفع‭ ‬نتنياهو‭ ‬سقف‭ ‬مطالبه‭ ‬وشروطه‭ ‬لتعطيل‭ ‬المفاوضات‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬الضغط‭ ‬الداخلي‭ ‬المسلط‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬عائلات‭ ‬الأسرى‭ ‬المحتجزين‭ ‬لدى‭ ‬حماس،‭ ‬ويستغل‭ ‬قوته‭ ‬العسكرية،‭ ‬وتواطؤ‭ ‬الإدارة‭ ‬الأميركية‭ ‬وانحيازها‭ ‬التام‭ ‬للاحتلال،‭ ‬بل‭ ‬والشراكة‭ ‬في‭ ‬العدوان‭ ‬وحرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬ضد‭ ‬أهالي‭ ‬غزة‭. ‬

بهذا‭ ‬الشكل‭ ‬تحوّلت‭ ‬“الصفقة”‭ ‬إلى‭ ‬صفاقة‭ ‬صهيو‭-‬أميركية،‭ ‬والعمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬إلى‭ ‬عربدة‭ ‬فاشية،‭ ‬ويتّضح‭ ‬بالكاشف‭ ‬أنّنا‭ ‬أمام‭ ‬فوضى‭ ‬دولية،‭ ‬تستهين‭ ‬فيها‭ ‬الصهيونيّة‭ ‬العالمية‭ ‬بالمجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬تجاهلٍ‭ ‬تامّ‭ ‬لقرار‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬بوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار،‭ ‬وأوامر‭ ‬محكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية‭ ‬باتخاذ‭ ‬تدابير‭ ‬لمنع‭ ‬أعمال‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬وتحسين‭ ‬الوضع‭ ‬الإنساني‭ ‬الكارثي‭ ‬في‭ ‬غزة‭.‬