رصد المرصود في الوطن المفقود!

| أسامة مهران

على‭ ‬طريقة‭ ‬المعلقات‭ ‬في‭ ‬الشجن‭ ‬العربي‭ ‬القديم،‭ ‬وبعيدًا‭ ‬عن‭ ‬خصوصيات‭ ‬التاريخ‭ ‬الحافل‭ ‬بالمآسي‭ ‬والملاحقات،‭ ‬كان‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬تصحيح‭ ‬ما‭ ‬حدث،‭ ‬وليس‭ ‬التعليق‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬حدث،‭ ‬الكاتب‭ ‬والراوي،‭ ‬المعلق‭ ‬والمؤرخ،‭ ‬المفكر‭ ‬والناقل‭ ‬للفكر،‭ ‬جميعهم‭.. ‬جميعهم‭ ‬يحاولون‭ ‬السباحة‭ ‬ضد‭ ‬تيار‭ ‬مفقود،‭ ‬وباتجاه‭ ‬رياح‭ ‬تأتي‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬نشتهي‭ ‬دائمًا‭.‬

مستشار‭ ‬مركز‭ ‬الدراسات‭ ‬السياسية‭ ‬والاستراتيجية‭ ‬بالأهرام‭ ‬المصرية‭ ‬الدكتور‭ ‬نبيل‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬“أزمة‭ ‬العقل‭ ‬العربي‭ ‬الجريح”،‭ ‬وتعليق‭ ‬الشاعر‭ ‬جرجس‭ ‬شكري‭ ‬المنشور‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬الإذاعة‭ ‬والتلفزيون‭ ‬على‭ ‬الجرح‭ ‬الغائر‭ ‬العميق،‭ ‬أيهما‭ ‬أو‭ ‬كلاهما‭ ‬فكر‭ ‬في‭ ‬الإبحار‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬تحت‭ ‬سطح‭ ‬سلطة‭ ‬الصورة‭ ‬في‭ ‬مشاهد‭ ‬غزة‭ ‬الدامية،‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬الجدار‭ ‬العازل‭ ‬بين‭ ‬الموت‭ ‬والحياة،‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬المعبر‭ ‬المختطف،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬اختلطت‭ ‬فيه‭ ‬مشاعر‭ ‬النبوة‭ ‬الأولى،‭ ‬بتراشق‭ ‬النيران‭ ‬حول‭ ‬مآرب‭ ‬الرمق‭ ‬الأخير،‭ ‬كل‭ ‬لم‭ ‬يغن‭ ‬على‭ ‬ليلاه،‭ ‬وكل‭ ‬لم‭ ‬ينشد‭ ‬أفلاطونياته‭ ‬في‭ ‬زخم‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬وإزهاق‭ ‬الأرواح‭ ‬في‭ ‬الأبدية،‭ ‬لكن‭ ‬شكري‭ ‬وعبدالفتاح‭ ‬كانا‭ ‬يناشدان‭ ‬الخير‭.. ‬كل‭ ‬الخير،‭ ‬وكانا‭ ‬يرميان‭ ‬بغير‭ ‬رام‭ ‬في‭ ‬مستهل‭ ‬دعوتهم‭ ‬المباحة‭ ‬لإنقاذ‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬إنقاذه‭ ‬لشعب‭ ‬فلسطيني‭ ‬غزاوي‭ ‬أعزل،‭ ‬ومن‭ ‬أيدي‭ ‬ذئاب‭ ‬الزمن‭ ‬الرديء‭ ‬المدعومين‭ ‬بأمم‭ ‬معرفية‭ ‬جرارة،‭ ‬وشعوب‭ ‬افتراضية‭ ‬سيّارة،‭ ‬وحالات‭ ‬لم‭ ‬تصعب‭ ‬على‭ ‬الكافر‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يدعون‭ ‬أن‭ ‬سلطة‭ ‬الصورة‭ ‬لا‭ ‬سلطان‭ ‬لها‭ ‬أو‭ ‬عليها،‭ ‬وأن‭ ‬حُكم‭ ‬القدر‭ ‬لا‭ ‬يصح‭ ‬ولا‭ ‬يستقيم‭ ‬في‭ ‬أزمنة‭ ‬الدفاع‭ ‬الشرعي‭ ‬عن‭ ‬الأرض‭ ‬المهجورة‭. ‬عبدالفتاح‭ ‬وجرجس،‭ ‬نخرا‭ ‬في‭ ‬حائط‭ ‬مبتل‭ ‬بدماء‭ ‬الشهداء،‭ ‬واشتركا‭ ‬في‭ ‬الحفر‭ ‬تحت‭ ‬جدار‭ ‬“الأقصى”‭ ‬ليس‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬“الهيكل”،‭ ‬إنما‭ ‬سبرًا‭ ‬لأغوار‭ ‬معرفية‭ ‬للمشهد‭. ‬كل‭ ‬ما‭ ‬نحن‭ ‬فيه،‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬حرب‭ ‬بين‭ ‬صاروخ‭ ‬وجلباب،‭ ‬أو‭ ‬بين‭ ‬ذكاء‭ ‬اصطناعي‭ ‬وغباء‭ ‬طبيعي،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬بين‭ ‬حضارة‭ ‬آفلة‭ ‬وأخرى‭ ‬تدعي‭ ‬الخلود،‭ ‬لكنها‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيقه‭ ‬ولم‭ ‬يتحقق،‭ ‬وما‭ ‬يمكن‭ ‬التنازل‭ ‬عنه‭ ‬ولم‭ ‬يتم‭.‬

لا‭ ‬العرب‭ ‬متغاضون‭ ‬عن‭ ‬الحق،‭ ‬ولا‭ ‬الإسرائيليون‭ ‬معترفون‭ ‬بهذا‭ ‬الحق،‭ ‬لا‭ ‬حماس‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تعتزل‭ ‬البندقية،‭ ‬ولا‭ ‬الأعداء‭ ‬الجدد‭ ‬يتخلون‭ ‬عن‭ ‬شهوة‭ ‬القتل‭ ‬وسفك‭ ‬الدماء‭.‬

شكري‭ ‬أو‭ ‬جرجس‭ ‬وعبدالفتاح‭ ‬يسعون‭ ‬لإلقاء‭ ‬المسؤولية‭ ‬كاملة‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬التكنولوجية،‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬السبق‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬شؤون‭ ‬الكون‭ ‬افتراضيًا‭ ‬أو‭ ‬اعتباطيًا،‭ ‬والحق‭ ‬يُقال‭ ‬ان‭ ‬لديهم‭ ‬الحق‭ ‬كل‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬فحرب‭ ‬غزة‭ ‬ليست‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬القوة‭ ‬المفرطة‭ ‬ومن‭ ‬لا‭ ‬يمتلك‭ ‬حتى‭ ‬خبز‭ ‬يومه،‭ ‬وليست‭ ‬بين‭ ‬أمة‭ ‬مهيضة‭ ‬الجناح‭ ‬ضعيفة‭ ‬التسليح‭ ‬والتسلح،‭ ‬وأخرى‭ ‬تمتلك‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬لذ‭ ‬وطاب‭ ‬من‭ ‬ماكينة‭ ‬إزهاق‭ ‬الأرواح‭ ‬وسفك‭ ‬الدماء‭ ‬واغتيال‭ ‬الأطفال‭.. ‬كل‭ ‬الأطفال،‭ ‬المسألة‭ ‬أكبر‭ ‬وأعمق‭ ‬من‭ ‬صورة‭ ‬أصبحت‭ ‬لها‭ ‬سلطة‭ ‬في‭ ‬مشهد،‭ ‬أو‭ ‬يقين‭ ‬أصبح‭ ‬لديه‭ ‬دليل‭ ‬الإدانة‭ ‬الوحيد‭ ‬لدولة‭ ‬أمام‭ ‬العالم‭ ‬الصامت‭ ‬إلى‭ ‬حين‭.‬

كل‭ ‬شيء‭.. ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬بات‭ ‬مغضوبًا‭ ‬عليه،‭ ‬تخلفنا‭ ‬عن‭ ‬ركب‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬ووصولنا‭ ‬متأخرين‭ ‬كثيرًا‭ ‬عن‭ ‬نعمة‭ ‬“الأون‭ ‬لاين”‭ ‬من‭ ‬بعيد،‭ ‬وجلوسنا‭ ‬على‭ ‬مقاعد‭ ‬المتفرجين‭ ‬نتفكر‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬السماوات‭ ‬والأرض،‭ ‬وننسى‭ ‬خلق‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬بين‭ ‬المسيرات‭ ‬تحت‭ ‬السماوات‭ ‬العُلا،‭ ‬وفوق‭ ‬الأرض‭ ‬المحروقة‭.‬

هشاشة‭ ‬الصورة‭ ‬أو‭ ‬اهتزازها‭ ‬لم‭ ‬تصنعه‭ ‬يد‭ ‬مرتعشة‭ ‬وهي‭ ‬تلتقط‭ ‬المشاهد‭ ‬على‭ ‬استحياء‭ ‬أو‭ ‬تحت‭ ‬تهديد‭ ‬الخراب‭ ‬الكبير،‭ ‬لكن‭ ‬صنعته‭ ‬آلة‭ ‬اصطناعية‭ ‬تحاول‭ ‬تحويل‭ ‬الظالم‭ ‬إلى‭ ‬مظلوم،‭ ‬فتحرك‭ ‬الكاميرا‭ ‬الصيادة‭ ‬نحو‭ ‬الهجوم‭ ‬الحمساوي‭ ‬على‭ ‬المستوطنات‭ ‬في‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬لكي‭ ‬تثبت‭ ‬للعالم‭ ‬أن‭ ‬رد‭ ‬الفعل‭ ‬كان‭ ‬طبيعيًا،‭ ‬وتحوِّل‭ ‬المظلوم‭ ‬إلى‭ ‬ظالم‭ ‬عندما‭ ‬تأتي‭ ‬بفئران‭ ‬التجارب‭ ‬لتعيث‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬المأسوف‭ ‬عليه‭ ‬فسادًا،‭ ‬وتؤكد‭ ‬أن‭ ‬مشاهد‭ ‬طوفان‭ ‬الأقصى‭ ‬في‭ ‬بكارة‭ ‬إحداثياتها‭ ‬كانت‭ ‬حقا‭ ‬لا‭ ‬يُراد‭ ‬به‭ ‬باطل،‭ ‬بينما‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هو‭ ‬الباطل‭ ‬الذي‭ ‬يصادر‭ ‬علينا‭ ‬جميع‭ ‬الحقوق‭.‬