الرضا في حياة الإنسان

| أسامة الماجد

قرأت‭ ‬قبل‭ ‬فترة‭ ‬كتابا‭ ‬جميلا‭ ‬ألفه‭ ‬الكاتب‭ ‬والطبيب‭ ‬الفرنسي‭ ‬بييار‭ ‬أوسانا،‭ ‬اعتبره‭ ‬النقاد‭ ‬صرخة‭ ‬جسد‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬تمرده‭ ‬ضد‭ ‬الألم‭ ‬والموت‭.‬

والدكتور‭ ‬أوسانا‭ ‬طبيب‭ ‬مشهور‭ ‬في‭ ‬معالجته‭ ‬مرض‭ ‬السرطان‭ ‬كفانا‭ ‬الله‭ ‬منه،‭ ‬وهو‭ ‬ككاتب‭ ‬يصور‭ ‬هنا‭ ‬حالة‭ ‬مريض‭ ‬من‭ ‬مرضاه‭ ‬مصاب‭ ‬بالسرطان،‭ ‬وأهمية‭ ‬الكتاب‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الكاتب‭ ‬يطغى‭ ‬على‭ ‬الطبيب،‭ ‬إذ‭ ‬يصرح‭ ‬بأن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتلخص‭ ‬بالجسد،‭ ‬والكتاب‭ ‬يمثل‭ ‬تصويرا‭ ‬لخلجات‭ ‬نفس‭ ‬تتأرجح‭ ‬بين‭ ‬القلق‭ ‬والأمل،‭ ‬نفس‭ ‬يطاردها‭ ‬الخوف‭ ‬والوحدة‭ ‬والحقد‭ ‬أحيانا‭ ‬على‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يكنون‭ ‬له‭ ‬العطف‭ ‬والتضحية‭ ‬والحب،‭ ‬لكن‭ ‬صحتهم‭ ‬تتحداه،‭ ‬نفس‭ ‬تتساءل‭ ‬عن‭ ‬المصير،‭ ‬وتصارع‭ ‬لكي‭ ‬تقاوم‭ ‬أهواءها‭.‬

وإذ‭ ‬ببطل‭ ‬القصة‭ ‬“هنري‭ ‬مدارد”‭ ‬وقد‭ ‬أصبح‭ ‬مهددا،‭ ‬حيث‭ ‬راح‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬لذة‭ ‬الخطيئة‭ ‬في‭ ‬مغامرة‭ ‬جسدية‭ ‬مع‭ ‬إحدى‭ ‬تلميذاته،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬الحب‭ ‬المتبادل‭ ‬الذي‭ ‬يكنه‭ ‬لزوجته،‭ ‬ثم‭ ‬يزهد‭ ‬بتلك‭ ‬العلاقة،‭ ‬عندما‭ ‬يشتد‭ ‬عليه‭ ‬المرض،‭ ‬ويتطلب‭ ‬مزيدا‭ ‬من‭ ‬العناية،‭ ‬ويجعله‭ ‬ينصب‭ ‬كليا‭ ‬على‭ ‬ذاته‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأثناء‭ ‬كان‭ ‬طبيب‭ ‬شاب‭ ‬يعالجه‭ ‬في‭ ‬منزله،‭ ‬فوثق‭ ‬به‭.. ‬وانعقدت‭ ‬صداقة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬المريض‭ ‬وطبيبه،‭ ‬وتتالت‭ ‬على‭ ‬المريض‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الانتكاسات‭ ‬والتحسنات‭ ‬حتى‭ ‬أتى‭ ‬وقت‭ ‬فسدت‭ ‬فيه‭ ‬أخلاقه،‭ ‬وضعفت‭ ‬معنوياته‭ ‬إثر‭ ‬أوجاع‭ ‬جسدية‭ ‬مبرحة،‭ ‬فاعتقد‭ ‬بوجود‭ ‬عاطفة‭ ‬متبادلة‭ ‬بين‭ ‬الطبيب‭ ‬وزوجته،‭ ‬واستولى‭ ‬عليه‭ ‬شعور‭ ‬الحسد‭ ‬والحقد‭ ‬تجاه‭ ‬من‭ ‬سيحيا‭ ‬بعده،‭ ‬فحاول‭ ‬أن‭ ‬يتخلص‭ ‬من‭ ‬زوجته،‭ ‬وإثر‭ ‬صدمة‭ ‬القتل،‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬رشده،‭ ‬وتوصل‭ ‬إلى‭ ‬اليقين‭ ‬الداخلي‭ ‬بأن‭.. ‬“ليست‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬ملاحقة‭ ‬الامتلاك‭.. ‬وأن‭ ‬للألم‭ ‬وجوده‭ ‬الخاص”‭.‬

وبعد‭ ‬أن‭ ‬تصالح‭ ‬مع‭ ‬ذاته‭ ‬وهدأت‭ ‬نفسه،‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬زوجته‭ ‬سعيدة،‭ ‬فرضى‭ ‬بأن‭ ‬يموت‭ ‬وأصر‭ ‬على‭ ‬دخول‭ ‬المستشفى‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬حالته‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬بعد‭ ‬تستوجب‭ ‬ذلك،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬التضخم‭ ‬خف‭ ‬بشكل‭ ‬يثير‭ ‬الدهشة،‭ ‬وبعد‭ ‬أسبوعين،‭ ‬وإثر‭ ‬التهاب‭ ‬في‭ ‬الرئتين،‭ ‬مات‭ ‬كرجل‭ ‬يتمتع‭ ‬بكامل‭ ‬كرامته،‭ ‬تلك‭ ‬الكرامة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬أمله‭ ‬الوحيد‭.‬

يتضح‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬أن‭ ‬الرضا‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬يضعف‭ ‬الإنسان‭ ‬فهو‭ ‬بعيد‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬يذله‭.‬