في الطريق إلى سقوط العولمة (2)

| كمال الذيب

مواصلة‭ ‬للحديث‭ ‬عن‭ ‬مؤشرات‭ ‬تراجع‭ ‬العولمة،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نضيف‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬أشرنا‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬المقالة‭ ‬السابقة‭ ‬ثلاث‭ ‬نقاط‭ ‬أخرى‭: أولا‭: ‬أن‭ ‬العولمة‭ ‬أتاحت‭ ‬أمام‭ ‬الدول‭ ‬والشعوب‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬الفرص‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إنكارها،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬تسببت‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المشكلات‭ ‬والمخاطر‭ ‬على‭ ‬الأصعدة‭ ‬كافة. ‬ والثروة‭ ‬الاتصالية‭ ‬والرقمية‭ ‬جعلت‭ ‬العالم‭ ‬متشابكا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬نتائج‭ ‬العولمة‭ ‬تعزيز‭ ‬التأثير‭ ‬المتبادل‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عالمي‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬محلي،‭ ‬مع‭ ‬السعي‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬النوايا‭ ‬والخطاب‭ ‬إلى‭ ‬دمج‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬عولمي‭ ‬واحد‭ ‬بلا‭ ‬حدود‭.‬

ثانيا‭: ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬الواقع‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬المثالي‭ ‬الواحد‭ ‬المتضامن‭ ‬المتسامح‭ ‬الحر‭ ‬المتكافئ‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬منه‭ ‬شيء‭ ‬كثير،‭ ‬بل‭ ‬حدثت‭ ‬تراجعات‭ ‬دراماتيكية‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الصعيد‭. ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬الغرب‭ ‬–‭ ‬وهو‭ ‬زعيم‭ ‬العولمة‭ ‬ومحركها‭ ‬الرئيسي‭ - ‬يعتقد‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دعم‭ ‬الثقافة‭ ‬والحداثة،‭ ‬وما‭ ‬يسميه‭ ‬بالتنوير‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البلدان‭ ‬سينجح‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬بنية‭ ‬الوعي،‭ ‬والحد‭ ‬مما‭ ‬يسميه‭ ‬بالتطرف‭ ‬والإرهاب،‭ ‬وقد‭ ‬سعى‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬سياسات‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬القبيل،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الحوار‭ ‬“شمال‭ ‬–‭ ‬جنوب”،‭ ‬وقد‭ ‬قام‭ ‬بالفعل‭ ‬بتمويل‭ ‬أنشطة‭ ‬وسياسات‭ ‬حكومية‭ ‬وأهلية‭ ‬مدنية‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬القبيل‭. ‬ولكن‭ ‬لم‭ ‬تمر‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭ ‬حتى‭ ‬انقلبت‭ ‬الأفكار‭ ‬والأمزجة‭ ‬وأصبح‭ ‬الشعار‭ ‬الرئيسي‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬هو‭ ‬محاربة‭ ‬“الهجرة‭ ‬واللجوء”‭ ‬وتحصين‭ ‬الحديقة‭ ‬الغربية‭ ‬المزدهرة‭ ‬من‭ ‬“وحوش‭ ‬الغابة‭ ‬المجاورة،‭ ‬مصدر‭ ‬الشرور‭ ‬والإرهاب”،‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬تعبير‭ ‬السيد‭ ‬جوزيف‭ ‬بوريل،‭ ‬الممثل‭ ‬السامي‭ ‬للاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬للشؤون‭ ‬الخارجية‭ ‬والسياسة‭ ‬الأمنية‭. ‬ ثالثا‭: ‬لقد‭ ‬انقلب‭ ‬الاتجاه‭ ‬180‭ ‬درجة‭ ‬من‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬الثقافة‭ ‬والحداثة‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الجنوب‭ ‬والضغط‭ ‬لتكريس‭ ‬الأجندات‭ ‬“الليبرالية”‭ ‬للدول‭ ‬إلى‭ ‬تمويل‭ ‬بناء‭ ‬الأسوار‭ ‬العازلة‭ ‬بين‭ ‬الحدود‭ ‬وتوفير‭ ‬دوريات‭ ‬لمنع‭ ‬المهاجرين‭ ‬من‭ ‬عبور‭ ‬البحر‭ ‬من‭ ‬الجنوب‭ ‬نحو‭ ‬الشمال،‭ ‬لتأمين‭ ‬الحدود‭ ‬من‭ ‬جحافل‭ ‬المهاجرين‭ ‬غير‭ ‬الشرعيين‭. تلك‭ ‬بعض‭ ‬المؤشرات‭ ‬عن‭ ‬العولمة‭ ‬غير‭ ‬الكاملة‭ ‬تتراجع‭ ‬بشكل‭ ‬سريع،‭ ‬واليمين‭ ‬الشعبوي‭ ‬الانعزالي‭ ‬ينمو‭ ‬بشكل‭ ‬مرعب‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬الغربية،‭ ‬لينقلب‭ ‬على‭ ‬عولمة‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬والحدود‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬قائمة‭ ‬بل‭ ‬أضيفت‭ ‬إليها‭ ‬الجدران‭ ‬العازلة‭ ‬والأسلاك‭ ‬الشائكة،‭ ‬والحدود‭ ‬الثقافية‭ ‬مازالت‭ ‬قائمة،‭ ‬والدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬صمام‭ ‬الأمان‭ ‬الرئيسي‭ ‬الباقي‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬محاولات‭ ‬استئصالها‭.‬

‭*‬كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني