ظاهرة “ترامب”

| سليم مصطفى بودبوس

مازال‭ ‬مشهد‭ ‬اقتحام‭ ‬أنصار‭ ‬الرئيس‭ ‬السابق‭ ‬“دونالد‭ ‬ترامب”‭ ‬مبنى‭ ‬الكابيتول‭ ‬الأميركي‭ ‬في‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬يناير‭ ‬2021؛‭ ‬بهدف‭ ‬تعطيل‭ ‬التصديق‭ ‬على‭ ‬نتائج‭ ‬انتخابات‭ ‬2020‭ ‬ماثلا‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬الأميركيين‭ ‬وكل‭ ‬العالم؛‭ ‬فقد‭ ‬تجمّع‭ ‬هؤلاء‭ ‬لإخلاء‭ ‬مبنى‭ ‬الكابيتول،‭ ‬وتعطيل‭ ‬جلسة‭ ‬مشتركة‭ ‬للكونغرس‭ ‬لفرز‭ ‬الأصوات‭ ‬الانتخابية‭ ‬وإضفاء‭ ‬الطابع‭ ‬الرسمي‭ ‬على‭ ‬فوز‭ ‬جو‭ ‬بايدن‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الانتخابات‭. ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬بايدن‭ ‬نفسه‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬استحضر‭ ‬ذلك‭ ‬المشهد‭ ‬الغريب‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬ليستند‭ ‬إليه‭ ‬حين‭ ‬قال‭: ‬“لست‭ ‬واثقا‭ ‬من‭ ‬انتقال‭ ‬السلطة‭ ‬سلميا‭ ‬بعد‭ ‬انتخابات‭ ‬نوفمبر”،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يدعمه‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المحللين؛‭ ‬فقد‭ ‬مثّل‭ ‬ذلك‭ ‬الهجوم‭ ‬غير‭ ‬المسبوق‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الانتخابات‭ ‬الأميركية‭ ‬المشهود‭ ‬لها‭ ‬بالتداول‭ ‬السلمي‭ ‬للسلطة‭ ‬صدمة‭ ‬بل‭ ‬هزّة‭ ‬سياسية‭ ‬كانت‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬لها‭ ‬ارتداداتها‭ ‬التي‭ ‬أثّرت‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬السياسي‭ ‬الغربي‭.‬

والحق‭ ‬أنّ‭ ‬استطلاعات‭ ‬الرأي‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الانتخابات‭ ‬كانت‭ ‬لصالح‭ ‬ترامب‭ - ‬المرشّح‭ ‬الذي‭ ‬تدعمه‭ ‬أوليغارشية‭ ‬أنجلوسكسونية‭ ‬وجماعات‭ ‬يمينية‭ ‬متعصّبة‭ ‬عنيفة،‭ ‬ولكن‭ ‬بعد‭ ‬إقناع‭ ‬جو‭ ‬بايدن‭ ‬بالانسحاب‭ ‬من‭ ‬السّباق‭ ‬الانتخابي‭ ‬وتعويضه‭ ‬بنائبته‭ ‬“كاميلا‭ ‬هارتس”‭ ‬اعتدلت‭ ‬الموازين،‭ ‬بل‭  ‬لعلّ‭ ‬كفة‭ ‬هارتس‭ ‬رجحت‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الولايات‭. ‬هذه‭ ‬المرشحة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬تتميّز‭ ‬بابتسامتها‭ ‬التي‭ ‬تلازمها‭ ‬وخطابها‭ ‬السياسي‭ ‬الجذّاب‭ ‬كما‭ ‬تبدو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬طريقة‭ ‬كلامها‭ ‬واثقة‭ ‬من‭ ‬نفسها،‭ ‬خصوصا‭ ‬أنّها‭ ‬تحظى‭ ‬بدعم‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الحزب‭ ‬الديمقراطي،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬نزاهة‭ ‬ملفها‭ ‬السياسي‭ ‬واشتغالها‭ ‬سابقا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬العدالة،‭ ‬لذا‭ ‬ما‭ ‬فتئت‭ ‬تتقدّم‭ ‬في‭ ‬نوايا‭ ‬التصويت‭ ‬على‭ ‬ترامب،‭ ‬بل‭ ‬لعلّ‭ ‬هذه‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع‭ ‬الأميركي‭ ‬ذي‭ ‬العقلية‭ ‬الذكورية‭ ‬صارت‭ ‬مرشّحة‭ ‬قوية‭ ‬للفوز‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬الرئاسية‭ ‬القادمة‭. ‬وما‭ ‬يدعم‭ ‬تخوّف‭ ‬جو‭ ‬بايدن‭ ‬هو‭ ‬كلام‭ ‬ترامب‭ ‬نفسه‭ ‬فقد‭ ‬حكم‭ ‬على‭ ‬الانتخابات‭ ‬القادمة‭ ‬بـ‭ ‬“المزوّرة‭ ‬وغير‭ ‬الشرعية”‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬فوزه،‭ ‬وهذا‭ ‬الكلام‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهله‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬أخذه‭ ‬بمحمل‭ ‬الجدّ‭ ‬حين‭ ‬نتذكّر‭ ‬حادثة‭ ‬الكابيتول‭ ‬الشهيرة‭ ‬والطعنة‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الأميركية‭ ‬عندما‭ ‬فشل‭ ‬ترامب‭ ‬أمام‭ ‬جو‭ ‬بايدن‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬السابقة‭.‬

وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يمهّد‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬لفتح‭ ‬باب‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬هزيمته‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الانتخابات‭.‬

لقد‭ ‬رفع‭ ‬الرئيس‭ ‬السابق‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬شعار‭ ‬“أميركا‭ ‬أولا”‭ ‬وأميركا‭ ‬هي‭ ‬“الأنجلوسكسون‭ ‬أولا”‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يبرز‭ ‬احتدام‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬العنصر‭ ‬الأنجلوسكسوني‭ ‬المحافظ‭ ‬المتعجرف‭ ‬وبقية‭ ‬العناصر‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬باقي‭ ‬مكوّنات‭ ‬المجتمع‭ ‬الأميركي‭ ‬وهم‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬وأعراق‭ ‬ثقافية‭ ‬متنوعة‭ ‬جدا،‭ ‬لذا‭ ‬فهم‭ ‬أكثر‭ ‬ميلا‭ ‬للمرشح‭ ‬الديمقراطي‭ ‬مثل‭ ‬الرئيس‭ ‬الأسبق‭ ‬أوباما‭ (‬أسمر‭ ‬البشرة‭ ‬ومن‭ ‬أصول‭ ‬أفريقية‭)  ‬ثم‭ ‬بايدن‭ (‬ذي‭ ‬الأصول‭ ‬الإيرلندية‭) ‬والمرشحة‭ ‬الحالية‭ ‬هارتس‭ (‬من‭ ‬أصول‭ ‬لاتينية‭) ‬والذين‭ ‬يحاولون‭ ‬انتزاع‭ ‬أميركا‭ ‬من‭ ‬تملكية‭ ‬الأنجلوسكسون‭. ‬لذا‭ ‬يطرح‭ ‬كلّ‭ ‬متابع‭ ‬السؤال‭ ‬بإلحاح‭: ‬هل‭ ‬ستتكرّر‭ ‬مشاهد‭ ‬الكابيتول؟‭ ‬وهل‭ ‬ستدخل‭ ‬أميركا‭ ‬في‭ ‬نفق‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية؟‭.‬

 

*كاتب‭ ‬تونسي‭ ‬ومدير‭ ‬تحرير‭ ‬مجلة‭ ‬البحرين‭ ‬الخيرية